القائمة الرئيسية:
 البحث:
 صورة مختارة


الصفحة الرئيسية » تحقيقات » تاريخية » أميرة الروم؟! (1)
 تاريخية

التحقيقات أميرة الروم؟! (1)

القسم القسم: تاريخية الشخص المراسل: الشيخ أحمد سلمان التاريخ التاريخ: 2017/05/12 08:58 am المشاهدات المشاهدات: 1397 التعليقات التعليقات: 0

دراسة تاريخية حول الروايات التي تعرّضت لشخصية السيدة نرجس (ع) و تطرّقت لبيان نسبها وموطنها

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلّ على محمد وآل محمد

 

نحيي في هذه الأيام المباركة ذكرى بزوغ نور إمامنا المفدّى صاحب العصر والزمان وخليفة الرحمن وشريك القرآن قائم آل محمد عجّل الله فرجه، وجعلنا من أتباعه وأعوانه وأنصاره ومن الذابين عنه والمستشهدين بين يديه.

وعادة ما يتعرّض عند سرد مولده الشريف إلى ذكر أمّه الطاهرة السيدة نرجس عليها السلام، لاسيما قصّة وصولها للإمام العسكري روحي فداه، اعتمادا الرواية الطويلة التي ذكرت سبيها في بلاد الروم ووصولها للعراق المتداولة بين الخطباء والوعّاظ بل حتّى في الأوساط الإعلامية ودونك الفيلم الكرتوني الذي سمّي بـ(أميرة الروم)

والرواية المقصودة هي ما نقله شيخنا الصدوق رضي الله عنه في كتاب كمال الدين وتمام النعمة صفحة 433: حدثنا محمد بن علي بن حاتم النوفلي، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشاء البغدادي، قال: حدثنا أحمد بن طاهر القمي، قال: حدثنا أبو الحسين محمد بن بحر الشيباني، قال : وردت كربلا سنة ست وثمانين ومائتين، قال: وزرت قبر غريب رسول الله صلى الله عليه وآله ثم انكفأت إلى مدينة السلام متوجها إلى مقابر قريش في وقت قد تضرمت الهواجر وتوقدت السمائم، فلما وصلت منها إلى مشهد الكاظم عليه السلام واستنشقت نسيم تربته المغمورة من الرحمة ، المحفوفة بحدائق الغفران أكببت عليها بعبرات متقاطرة ، وزفرات متتابعة وقد حجب الدمع طرفي عن النظر فلما رقأت العبرة وانقطع النحيب فتحت بصري فإذا أنا بشيخ قد انحنى صلبه، وتقوس منكباه، وثفنت جبهته وراحتاه، وهو يقول لآخر معه عند القبر : يا ابن أخي لقد نال عمّك شرفا بما حمله السيدان من غوامض الغيوب وشرائف العلوم التي لم يحمل مثلها إلّا سلمان، وقد أشرف عمك على استكمال المدة وانقضاء العمر، وليس يجد في أهل الولاية رجلا يفضي إليه بسرّه، قلت: يا نفس لا يزال العناء والمشقة ينالان منك باتعابي الخف والحافر في طلب العلم، وقد قرع سمعي من هذا الشيخ لفظ يدل على علم جسيم وأثر عظيم، فقلت: أيها الشيخ ومن السيدان؟ قال: النجمان المغيّبان في الثرى بسر من رأى، فقلت: إنّي أقسم بالموالاة وشرف محلّ هذين السيدين من الإمامة والوراثة إنّي خاطب علمهما، وطالب آثارهما، وباذل من نفسي الأيمان المؤكدة على حفظ أسرارهما، قال: إن كنت صادقا فيما تقول فأحضر ما صحبك من الآثار عن نقلة أخبارهم، فلما فتّش الكتب وتصفّح الروايات منها قال: صدقت أنا بشر بن سليمان النخاس من ولد أبي أيوب الأنصاري أحد موالي أبي الحسن وأبي محمد عليهما السلام وجارهما بسر من رأى، قلت : فأكرم أخاك ببعض ما شاهدت من آثارهما، قال: كان مولانا أبو الحسن علي بن محمد العسكري عليهما السلام فقهني في أمر الرقيق فكنت لا أبتاع ولا أبيع إلّا بإذنه، فاجتنبت بذلك موارد الشبهات حتّى كملت معرفتي فيه فأحسنت الفرق فيما بين الحلال والحرام؛ فبينما أنا ذات ليلة في منزلي بسر من رآى وقد مضى هوي من الليل إذ قرع الباب قارع، فعدوت مسرعا فإذا أنا بكافور الخادم رسول مولانا أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام يدعوني إليه، فلبست ثيابي ودخلت عليه فرأيته يحدّث ابنه أبا محمد وأخته حكيمة من وراء الستر، فلما جلست قال: يا بشر إّنك من ولد الأنصار وهذه الولاية لم تزل فيكم يرثها خلف عن سلف، فأنتم ثقاتنا أهل البيت وإنّي مزكيك ومشرّفك بفضيلة تسبق بها شأو الشيعة في الموالاة بها بسر أطلعك عليه وأنفذك في ابتياع أمة، فكتب كتابا ملصقا بخط رومي ولغة رومية، وطبع عليه بخاتمه، وأخرج شستقة صفراء فيها مائتان وعشرون دينارا، فقال: خذها وتوجه بها إلى بغداد، واحضر معبر الفرات ضحوة كذا، فإذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا وبرزن الجواري منها فستحدق بهم طوائف المبتاعين من وكلاء قواد بني العباس وشراذم من فتيان العراق، فإذا رأيت ذلك فأشرف من البعد على المسمى عمر بن يزيد النخاس عامة نهارك إلى أن يبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا وكذا، لابسة حريرتين صفيقتين، تمتنع من السفور ولمس المعترض، والانقياد لمن يحاول لمسها ويشغل نظره، بتأمل مكاشفها من وراء الستر الرقيق فيضربها النخاس فتصرخ صرخة رومية، فاعلم أنّها تقول: وا هتك ستراه ، فيقول بعض المبتاعين: عليّ بثلاثمائة دينار فقد زادني العفاف فيها رغبة، فتقول بالعربية : لو برزت في زي سليمان وعلى مثل سرير ملكه ما بدت لي فيك رغبة فأشفق على مالك، فيقول النخاس: فما الحيلة ولابدّ من بيعك، فتقول الجارية: وما العجلة ولابدّ من اختيار مبتاع يسكن قلبي إليه وإلى أمانته وديانته، فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخاس، وقل له: إنّ معي كتابا ملصقا لبعض الأشراف كتبه بلغة رومية وخطّ رومي، ووصف فيه كرمه ووفاه ونبله وسخاءه فناولها لتتأمل منه أخلاق صاحبه فإن مالت إليه ورضيته، فأنا وكيله في ابتياعها منك؛ قال بشر بن سليمان النخاس: فامتثلت جميع ما حدّه لي مولاي أبو الحسن عليه السلام في أمر الجارية، فلمّا نظرت في الكتاب بكت بكاء شديدا ، وقالت لعمر بن يزيد النخاس: بعني من صاحب هذا الكتاب، وحلفت بالمحرجة المغلظة أنّه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها، فما زلت أشاحّه في ثمنها حتى استقر الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي عليه السلام من الدنانير في الشستقة الصفراء، فاستوفاه مني وتسلمت منه الجارية ضاحكة مستبشرة، وانصرفت بها إلى حجرتي التي كنت آوي إليها ببغداد، فما أخذها القرار حتى أخرجت كتاب مولاها عليه السلام من جيبها وهي تلثمه وتضعه على خدّها وتطبقه على جفنها وتمسحه على بدنها، فقلت: تعجبا منها أتلثمين كتابا ولا تعرفين صاحبه؟ قالت: أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الأنبياء أعرني سمعك وفرّغ لي قلبك أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، وأمّي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح شمعون، أنبئك العجب العجيب: إنّ جدّي قيصر أراد أن يزوّجني من ابن أخيه وأنا من بنات ثلاث عشرة سنة، فجمع في قصره من نسل الحواريين ومن القسيسين والرهبان ثلاثمائة رجل، ومن ذوي الأخطار سبعمائة رجل، وجمع من أمراء الأجناد وقواد العساكر ونقباء الجيوش وملوك العشائر أربعة آلاف، وأبرز من بهو ملكه عرشا مسوغا من أصناف الجواهر إلى صحن القصر فرفعه فوق أربعين مرقاة فلما صعد ابن أخيه وأحدقت به الصلبان وقامت الأساقفة عكفا ونشرت أسفار الإنجيل، تسافلت الصلبان من الأعالي فلصقت بالأرض، وتقوضت الأعمدة، فانهارت إلى القرار، وخرّ الصاعد من العرش مغشيا عليه، فتغيّرت ألوان الأساقفة، وارتعدت فرائصهم، فقال كبيرهم لجدّي: أيّها الملك أعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالّة على زوال هذا الدين المسيحي والمذهب الملكاني، فتطيّر جدّي من ذلك تطيّرا شديدا، وقال للأساقفة: أقيموا هذه الأعمدة، وارفعوا الصلبان، وأحضروا أخا هذا المدبر العاثر المنكوس، جده لأزوّج منه هذه الصبيّة فيدفع نحوسه عنكم بسعوده، فلمّا فعلوا ذلك حدث على الثاني ما حدث على الأول، وتفرّق الناس، وقام جدّي قيصر مغتمّا ودخل قصره وأرخيت الستور، فأريت في تلك الليلة كأنّ المسيح والشمعون وعدّة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدي ونصبوا فيه منبرا يباري السماء علوا وارتفاعا في الموضع الذي كان جدّي نصب فيه عرشه، فدخل عليهم محمد صلى الله عليه وآله مع فتية وعدّة من بنيه فيقوم إليه المسيح فيعتنقه، فيقول: يا روح الله إنّي جئتك خاطبا من وصيّك شمعون فتاته مليكة لابني هذا، وأومأ بيده إلى أبي محمد صاحب هذا الكتاب، فنظر المسيح إلى شمعون، فقال له: قد أتاك الشرف فصل رحمك برحم رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: قد فعلت، فصعد ذلك المنبر وخطب محمد صلى الله عليه وآله، وزوّجني وشهد المسيح عليه السلام وشهد بنو محمد صلى الله عليه وآله والحواريون، فلما استيقظت من نومي أشفقت أن أقصّ هذه الرؤيا على أبي وجدّي مخافة القتل، فكنت أسرّها في نفسي ولا أبديها لهم، وضرب صدري بمحبة أبي محمد حتى امتنعت من الطعام والشراب وضعفت نفسي ودقّ شخصي ومرضت مرضا شديدا، فما بقي من مدائن الروم طبيب إلّا أحضره جدّي وسأله عن دوائي، فلما برح به اليأس قال: يا قرّة عيني فهل تخطر ببالك شهوة فأزودكها في هذه الدنيا؟ فقلت: يا جدّي أرى أبواب الفرج علي مغلقة، فلو كشفت العذاب عمّن في سجنك من أسارى المسلمين، وفككت عنهم الأغلال وتصدّقت عليهم ومننتهم بالخلاص لرجوت أن يهب المسيح وأمه لي عافية وشفاء، فلمّا فعل ذلك جدي تجلّدت في إظهار الصحة في بدني وتناولت يسيرا من الطعام، فسرّ بذلك جدّي وأقبل على إكرام الأسارى وإعزازهم، فرأيت أيضا بعد أربع ليال كأنّ سيدة النساء قد زارتني ومعها مريم بنت عمران وألف وصيفة من وصائف الجنان، فتقول لي مريم: هذه سيدة النساء أمّ زوجك أبي محمد عليه السلام، فأتعلّق بها وأبكي وأشكو إليها امتناع أبي محمد من زيارتي، فقالت لي سيدة النساء عليها السلام: إنّ ابني أبا محمد لا يزورك وأنت مشركة بالله وعلى مذهب النصارى، وهذه أختي مريم تبرأ إلى الله تعالى من دينك فإن ملت إلى رضا الله عز وجل ورضا المسيح ومريم عنك وزيارة أبي محمد إياك، فتقولي : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ - أبي - محمدا رسول الله، فلما تكلّمت بهذه الكلمة ضمّتني سيدة النساء إلى صدرها فطيبت لي نفسي، وقالت: الآن توقّعي زيارة أبي محمد إيّاك فإنّي منفذته إليك، فانتبهت وأنا أقول: واشوقاه إلى لقاء أبي محمد، فلما كانت الليلة، القابلة جاءني أبو محمد عليه السلام في منامي فرأيته كأني أقول له: جفوتني يا حبيبي بعد أن شغلت قلبي بجوامع حبك؟ قال: ما كان تأخيري عنك إلّا لشركك، وإذ قد أسلمت فإنّي زائرك في كل ليلة إلى أن يجمع الله شملنا في العيان، فما قطع عنّي زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية؛ قال بشر: فقلت لها: وكيف وقعت في الأسر؟ فقالت: أخبرني أبو محمد ليلة من الليالي أنّ جدّك سيسرب جيوشا إلى قتال المسلمين يوم كذا ثم يتبعهم، فعليك باللحاق بهم متنكّرة في زي الخدم مع عدة من الوصائف من طريق كذا، ففعلت فوقعت علينا طلائع المسلمين حتى كان من أمري ما رأيت وما شاهدت وما شعر أحد بأني ابنة ملك الروم إلى هذه الغاية سواك، وذلك باطلاعي إياك عليه، ولقد سألني الشيخ الذي وقعت إليه في سهم الغنيمة عن اسمي فأنكرته، وقلت: نرجس، فقال: اسم الجواري، فقلت: العجب إنّك رومية ولسانك عربي؟ قالت: بلغ من ولوع جدّي وحمله إياي على تعلم الآداب أن أوعز  إلى امرأة ترجمان له في الاختلاف إلي ، فكانت تقصدني صباحا ومساء وتفيدني العربية حتى استمر عليها لساني واستقام؛ قال بشر: فلما انكفأت بها إلى سر من رأى، دخلت على مولانا أبي الحسن العسكري عليه السلام، فقال لها: كيف أراك الله عز الإسلام وذلّ النصرانية، وشرف أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله؟ قالت: كيف أصف لك يا ابن رسول الله ما أنت أعلم به مني؟ قال: فإنّي أريد أن أكرمك فأيمّا أحب إليك عشرة آلاف درهم؟ أم بشرى لك فيها شرف الأبد؟ قالت: بل البشرى، قال عليه السلام: فأبشري بولد يملك الدنيا شرقا وغربا ويملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، قالت: ممّن؟ قال عليه السلام: ممّن خطبك رسول الله صلى الله عليه وآله له من ليلة كذا من شهر كذا من سنة كذا بالرومية؟ قالت: من المسيح ووصيه، قال: فممّن زوجّك المسيح ووصيه؟ قالت: من ابنك أبي محمد، قال: فهل تعرفينه؟ قالت: وهل خلوت ليلة من زيارته إياي منذ الليلة التي أسلمت فيها على يد سيدة النساء أمه؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: يا كافور ادع لي أختي حكيمة، فلما دخلت عليه، قال عليه السلام لها: هاهيه فاعتنقتها طويلا وسرت بها كثيرا، فقال لها مولانا: يا بنت رسول الله، أخرجيها إلى منزلك وعلميها الفرائض والسنن فإنّها زوجة أبي محمد وأم القائم عليه السلام.

 

وهذه الرواية نقلها من جاء بعد الصدوق رضوان الله عليه:

-      الشيخ الطوسي في الغيبة 208

-      الطبري الصغير في دلائل الإمامة 489

-      الفتال النيسابوري في روضة الواعظين 252

-      ابن شهر آشوب في المناقب 3/538

ولا توجد أي رواية أخرى تنقل تعرّفنا بأمّ الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه وكيفية وصولها إليه سوى هذه الرواية التي نقلناها كاملة، ومن هذا المنطلق نريد تسليط الضوء على هذا الخبر، وملاحظة مدىإ مكانية الوثوق به، والاعتماد عليه في مثل هذه القضية التاريخية المهمّة.

 

وقد سجّلت جملة من الملاحظات حول الرواية:

 

الأولى: إنّ الراوي لهذه الحادثة هو (أبو الحسين محمد بن بحر الشيباني)، وبغضّ النظر في الوقت الحالي عن تقييمنا للرجل، إلّا أنّ الغريب فعلا هو أنّ الشيخ الصدوق المتوفى سنة 381هـ قد نقل عنه الخبر بثلاثة وسائط:(محمد بن علي بن حاتم النوفلي قال : حدثنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشاء البغدادي قال : حدثنا أحمد بن طاهر القمي:...) وفي المقابل نجد أنّ الشيخ الطوسي المولود سنة 385هـ والمتوفى سنة 460هـ قد نقل عنه نفس الخبر لكن بواسطتين فقط: (أخبرني جماعة ، عن أبي المفضل الشيباني،...)!

والذي يزيد الأمر غرابة هو ما نقله الطبري الصغير في دلائل الإمامة 489، حيث قال: (حدثنا أبو المفضل محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، قال: حدثنا أبو الحسين محمد بن بحر الرهني الشيباني، قال: وردت كربلاء سنة ست وثمانين ومائتين)، فاللقاء حصل سنة 286 هـ، والذي روى القصة عن صاحب اللقاء حدّث بها سنة 385 هـ أي بعد 100 سنة.

وهذه الهوّة الزمانية الكبيرة تؤكّد إمّا وجود وسائط ساقطة في السند الذي نقله الشيخ الطوسي والطبري الصغير رضوان الله عليهما، أو اضطراب متن الرواية حيث لا تناسب بين زمن الحادثة وزمن التحديث.

كما أنّنا نجهل هوية هؤلاء الذين نقلوا هذه القصة عن (محمد بن بحر الشيباني) والذين ذكرهم الشيخ الصدوق في سنده (أحمد بن عيسى الوشاء، أحمد بن طاهر القمي) فإنّهما مهملان في كتب الرجال والتراجم ولا يوجد لهما أيّ ترجمة فضلا عن وجود توثيق لهما.

فسند الرواية مشكل من أوّله لآخره ولذلك نجد أنّ السيد الخوئي قد حكم على هذا السند في مورد آخر بقوله: (وهذه الرواية ضعيفة السند جدا فإن محمد بن بحر بن سهل الشيباني لم يوثق وهو متهم بالغلو، وغيره من رجال سند الرواية مجاهيل) المعجم 9/82

والسند الذي ذكره الشيخ الطوسي والطبري الصغير مبتلى بالمشكلة التي تقدّم ذكرها من وجود فاصل زمني كبير.

 

الثانية: إنّ مدار هذه القصّة على (بشر بن سليمان النخّاس) والذي عرّف نفسه في الرواية بأنّه من نسل أبي أيوب الأنصاري، وهذا الرجل لا يوجد له ذكر لا في كتب التاريخ ولا الرجال ولا التراجم البتّة.

بل حتّى راوي الخبر (محمد بن بحر الشيباني) لم يكن يعرفه أو سمع به من قبل، إنّما عرفه بعد أن عرّف بنفسه وصدّق كلامه، فلا طريق لنا لمعرفة هذا الرجل إلّا بتعريفه لنفسه في هذه الرواية!

والذي يزيد استغرابنا أنّه وصف نفسه بأوصاف عظيمة جدّا، حيث يقول عن نفسه: (يا ابن أخي لقد نال عمك شرفا بما حمله السيدان من غوامض الغيوب وشرائف العلوم التي لم يحمل مثلها إلا سلمان) فهل يكون أحد في أصحاب الأئمة عليهم السلام مثل سلمان المحمدي ولا يعرف عنه أحد شيئا؟!

فصحّة هذه القصّة متوقّفة على مدى معرفتنا وتصديقنا بهذا الشخص، هذا على فرض صدق من نقل القصة، وإلّا فمن المحتمل أنّه شخصية وهمية لا وجود لها نسجها خيال القصّاص وأذاعوها بين الناس.

 

الثالثة: أنّ نرجس عرّفت نفسها بأنّها (مليكة بنت يوشع بن قيصر الروم)، ولو ضممنا إلى هذا الفقرة التي نصّت على أنّ عمرها كان (13 سنة)، وأنّ الحادثة كانت في حياة الإمام الهادي والعسكري عليه السلام، فإنّها تكون تقريبا حصلت في سنة 250هـ.

وإذا قمنا بتحويل هذا التاريخ الهجري إلى التاريخ الميلادي سنحصل على سنة 864م، وإذا رجعنا إلى تاريخ الدولة البيزنطية وإلى أسماء أباطرتها، نجد أنّ الشخص المقصود هو: ميخائيل الثالث.

وهذا الإمبراطور لا يمكن أن يكون هو المقصود إذ أنّ والده المسمّى توفيل توفّي في سنة 227هـ، وكان هو صغيرا لا يصلح للحكم، فتولّت أمّه أمور البلاد نيابة عنه، قال ابن كثير: وفيها توفي ملك الروم توفيل بن ميخائيل، وكان مدة ملكه ثنتي عشرة سنة، فملكت الروم بعده امرأته تدورة، وكان ابنها ميخائيل بن توفيل صغيرا. (البداية والنهاية 10/326)

فمن كان في سنة 227هـ صغيرا لا يمكنه الحكم، كيف يصبح جدّا بعد أقلّ من 25 سنة، بل له حفيدة تبلغ من العمر 13 سنة؟

والأمر الآخر هو ما ذكر في الرواية من أنّه أراد تزويج حفيدته (مليكة) من أحد أبناء إخوته (إنّ جدي قيصر أراد أن يزوّجني من ابن أخيه)، والحال أنّ الملك توفيل أو ثيوفيلوس لم يكن له أبناء إلّا ميخائيل الذي كان صغيرا جدّا! ولو كان له أبناء أصغر منه، لرجعنا للإشكال الأوّل وهو إمكانية وجود أبناء في سنّ الزواج لهذا الأخ المزعوم؟

فلا يوجد إمبراطور للروم بهذه المواصفات المذكورة في هذه الرواية.

 

الرابعة: لو سلّمنا بوجود هذا الإمبراطور، تبقى عندنا مشكلة أخرى: وهي أنّ الرواية تحدّثت عن حرب حصلت بين المسلمين والروم: (أخبرني أبو محمد ليلة من الليالي أنّ جدّك سيسرب جيوشا إلى قتال المسلمين يوم كذا، ثم يتبعهم).

وبالرجوع إلى التاريخ نجد أنه لا وجود لقتال حصل بين الطرفين في تلك الحقبة، بل نقل التاريخ حصول صفقة فداء للأسرى بين المسلمين والروم في عصره، قال غريغريوس الملطي: في سنة إحدى وثلثين ومائتين كان الفداء بين المسلمين والروم على يد خاقان خادم الرشيد، واجتمع المسلمون على نهر اللامس على مسيرة يوم من طرسوس، وأمر الواثق خاقان خادم الرشيد أن يمتحن أسارى المسلمين، فمن قال: القرآن مخلوق وأنّ الله لا يرى في الآخرة فودي به وأعطي دينارا، ومن لم يقل ذلك ترك في أيدي الروم،  فلمّا كان في يوم عاشوراء أتت الروم ومن معهم من الأسارى، وكان الأمر بين الطائفتين فكان المسلمون يطلقون الأسير فيطلق الروم أسيرا فيلتقيان في وسط الجسر، فإذا وصل الأسير إلى المسلمين كبّروا وإذا وصل الرومي إلى الروم صاحوا: (كرياليسون) حتّى فرغوا  فكان عدّة أسارى المسلمين أربعة آلاف وأربعمائة وستين نفسا والنساء والصبيان ثمانمائة، وأهل ذمة المسلمين مائة نفس. (تاريخ مختصر الدول 142).

بل الحروب الطاحنة كانت في عهد والده توفيل بن ميخائيل وفي عهد من كان بعد ميخائيل الثالث، أمّا في الفترة التي يفترض فيها حصول الحرب وهي الممتدّة من 250 إلى 254، فلم أجد نقلا تاريخيا يثبت حصول مثل هذا.

 

الخامسة: نجد في الرواية أنّ السيدة نرجس عليها السلام قد نسبت نفسها من جهة الأم إلى شمعون حواري عيسى عليه السلام: (وأمّي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح شمعون).

وهذا الأمر أيضا محلّ إشكال، إذ أنّه لم ينقل أنّ للحواريين ذريّة معروفة ومشخصّة، بل هناك تشكيك في أصل زواج هؤلاء، إذ أنّ المعروف في دين النصارى أنّ الحواريين قد سلكوا طريق الرهبانية والتبتّل، فكيف نجد فيهم من يصرّح بانتسابهم للحواريين؟

والأهمّ من هذا أنّ ذكر شمعون الصفا دون غيره من الحواريين مبنيّ على قصة تتناقل في أوساط النصارى من أنّ شمعون الصفا كما نسمّيه أو (سمعان بطرس) كما يتداول عندهم قد انتقل في آخر حياته إلى روما وأقام بها 25 سنة وأسّس الكنيسة، وله قبر معروف فيها.

وهذه القصة أنكرها مؤرخوهم ومحقّقوهم ونفوا أصل قدومه لروما ومقتله بها على يد (نيرون)، والظاهر أنّ من سبك هذا الخبر كان من المصدّقين بقصة شمعون الصفا، فلذلك اختاره لكي يكون جدّا لنرجس عليها السلام دون غيره من الحواريين.

 

السادسة: ذكرت الرواية في موضعين أنّ نرجس عليها السلام قد تزوجت الإمام العسكري عليه السلام: (فصعد ذلك المنبر وخطب محمد صلى الله عليه وآله، وزوّجني وشهد المسيح عليه السلام وشهد بنو محمد صلى الله عليه وآله والحواريون) وفي آخر الرواية (فممّن زوجّك المسيح ووصيه؟ قالت: من ابنك أبي محمد)

وهذا الأمر مخالف لما أطبقت عليه الروايات الشريفة الصحيحة الصريحة من أنّ المهدي عج هو ابن أمة، ويكفينا هذا الخبر الذي نقله الشيخ الصدوق في كمال الدين  صفحة 369 بسند صحيح عن الإمام الكاظم عليه السلام:  ذلك -المهدي عج- ابن سيدة الإماء.

فكيف نجمع بين كونه ابن أمة وبين هذا الخبر الذي يصرّح بوقوع الزواج، حيث أنّ التعبير بابن الأمة ينصرف إلى ملك اليمين لا الزواج.

 

السابعة: نصّت الرواية على أنّ نرجس عليها السلام كانت نصرانية، بل عبّر عنها بالشرك (إنّ ابني أبا محمد لا يزورك وأنت مشركة بالله وعلى مذهب النصارى).

ومثل هذا الوصف لا يتناسب مع ما دلّت عليه الروايات من طهارة أمهات الأئمة عليهم السلام وعلو مقامهن، وما ورد من وصفهن بالأرحام المطهرة أو الطاهرة.

وهذا النوع من الطهارة لا يراد منه طهارة المسلم التي يشترك فيها الجميع بل هي طهارة خصهم الله بها، فهل يجتمع هذا مع كونها مشركة؟

 

الثامنة: ورد في الرواية أنّ الإمام الهادي عليه السلام قد أخبر حكيمة بأنّ نرجس هي أم للإمام القائم عليه السلام (يا بنت رسول الله، أخرجيها إلى منزلك وعلميها الفرائض والسنن فإنّها زوجة أبي محمد وأم القائم عليه السلام).

والحال أنّ هذه الجزئية تخالف الروايات الأخرى التي تنصّ صراحة على أنّها لم تكن تعلم بذلك البتّة:

منها ما رواه الصدوق في كمال الدين 424 بسنده: حدثتني حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، قالت: بعث إلي أبو محمد الحسن بن علي عليهما السلام فقال: يا عمة اجعلي إفطارك هذه الليلة عندنا فإنها ليلة النصف من شعبان فإن الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة وهو حجته في أرضه، قالت: فقلت له: ومن أمه؟ قال لي : نرجس.

ومنها ما رواه الشيخ الطوسي في الغيبة صفحة 235: أخبرني ابن أبي جيد، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الصفار محمد بن الحسن القمي ، عن أبي عبد الله المطهري، عن حكيمة بنت محمد بن علي الرضا قالت: بعث إلي أبو محمد عليه السلام سنة خمس وخمسين ومائتين في النصف من شعبان وقال: يا عمة اجعلي الليلة إفطارك عندي فإن الله عز وجل سيسرك بوليه وحجته على خلقه خليفتي من بعدي . قالت حكيمة: فتداخلني لذلك سرور شديد وأخذت ثيابي علي وخرجت من ساعتي حتى انتهيت إلى أبي محمد عليه السلام ، وهو جالس في صحن داره ، وجواريه حوله فقلت : جعلت فداك يا سيدي! الخلف ممن هو؟ قال: من سوسن فأدرت طرفي فيهن فلم أر جارية عليها أثر غير سوسن.

ورواها بسند آخر في صفحة 238: أحمد بن علي الرازي ، عن محمد بن علي ، عن علي بن سميع بن بنان، عن محمد بن علي بن أبي الداري، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن عبد الله، عن أحمد بن روح الأهوازي، عن محمد بن إبراهيم، عن حكيمة بمثل معنى الحديث الأول إلا أنّه قال: قالت بعث إلي أبو محمد عليه السلام ليلة النصف من شهر رمضان سنه خمس وخمسين ومائتين قالت وقلت له: يا بن رسول الله من أمّه؟ قال: نرجس.

وذكر الشيخ للخبر أسانيد أخرى:

-      بهذا الاسناد ، عن محمد بن الحسن بن الوليد ، عن محمد بن يحيى العطار ، عن محمد بن حمويه الرازي ، عن الحسين بن رزق الله ، عن موسى بن محمد بن جعفر قال: حدثتني حكيمة بنت محمد عليه السلام بمثل معنى الحديث. (الغيبة 237)

-      أحمد بن علي الرازي ، عن محمد بن علي ، عن حنظلة بن زكريا قال: حدثني الثقة ، عن محمد بن علي بن بلال، عن حكيمة بمثل ذلك. (الغيبة 238)

-      في رواية أخرى عن جماعة من الشيوخ أن حكيمة حدّثت بهذا الحديث وذكرت أنه كان ليلة النصف من شعبان وأن أمه نرجس وساقت الحديث (الغيبة 239)

وقد نصّ صاحب كتاب عيون المعجزات (صفحة 127) على كثرة أسانيد هذا الخبر وشهرته بين الأصحاب: وقرأت في كتاب الوصايا وغيره بأنّ جماعة من الشيوخ العلماء منهم عسلان الكلابي وموسى بن أحمد الفزاري وأحمد بن جعفر ومحمد بأسانيدهم أن حكيمة بنت أبي جعفر عمة أبي محمد عليه السلام يوما... وكنت ادعو الله له ان يرزقه ولدا فدعوت له كما كنت ادعو فقال يا عمة اما انه يولد في هذه الليلة وكانت ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومأتين المولود الذي كنا نتوقعه فاجعلي افطارك عندنا وكانت ليلة الجمعة، قالت حكيمة: ممن يكون هذا المولود يا سيدي؟ فقال عليه السلام: من نرجس قالت ولم يكن في الجواري أحب إلي منها ولا أخف على قلبي.

فهذا الخبر المستفيض يدلّ صراحة على أنّ حكيمة بنت الجواد عليهما السلام لم تكن تعرف مسبقا من هي أمّ الإمام المهدي عجل الله فرجه، وهذا ما يصطدم مع الرواية الأولى التي ذكرت أنّه قد تمّ اعلامها بذلك مسبقا

يتبع...

التقييم التقييم:
  56 / 1.1
 التعليقات
لا توجد تعليقات

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل
 خدمة الواتساب
http://ahmdi.org/whatsapp.png

   أرسل (سجل) إلى:

 

009647721146059

 جديد الكتب

 كلامكم نور
عن الإمام الصادق (ع): أنّ الله تعالى أمهر فاطمة عليها السلام ربع الدنيا، فربعها له، وأمهرها الجنة والنار، تدخل أعداءها النار، وتدخل أولياءها الجنة، وهي الصديقة الكبرى، وعلى معرفتها دارت القرون الأول
 أرسل سؤالك

http://ahmdi.org/templates/default/icons/link.gif أرســل ســؤالك

 مرئية مختارة
 كتاب مختار