القائمة الرئيسية:
 البحث:
 صورة مختارة


الصفحة الرئيسية » تحقيقات » تاريخية » لماذا سكت علي (ع) عندما هجموا على الدار؟
 تاريخية

التحقيقات لماذا سكت علي (ع) عندما هجموا على الدار؟

القسم القسم: تاريخية التاريخ التاريخ: 2015/04/15 03:36 pm المشاهدات المشاهدات: 4460 التعليقات التعليقات: 0

جواب مفصّل مقتطف من كتاب (فاطمة الزهراء (ع) أحداث ما بعد رحيل الخاتم)

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلّ على محمد وآل محمد

أهمّ شبهة يطرحها المشكّكون في قضية الهجوم على بيت الزهراء عليها السلام والاعتداء عليها هو أنّه لو ثبت هذا الأمر فإنّ فيه ازدراء وطعنا بأمير المؤمنين عليه السلام الذي لم يحرك ساكنا للدفاع عن حليلته التي ضربت أمام عينيه!

ومن أوائل الذين أثاروا هذه الشبهة, الفضل بن رزبهان الذي قال: لو صحّ هذا دلّ على عجز علي -حاشاه عن ذلك- فإنّ غاية عجز الرجل أن يحرق هو وأهل بيته وامرأته في داره وهو لا يقدر على الدفع ، ومثل هذا العجز يقدح في صحة الإمامة([1]).

وصية النبي (ص) لأمير المؤمنين (ع) بالصبر:

أجاب الشيعة أعلى الله برهانهم على هذا الاشكال بأنّ النبي المصطفى صلى الله عليه وآله قد أوصى أمير المؤمنين عليه السلام بالصبر وترك مجاهدة القوم وقد ورد في ذلك روايات كثيرة في كتبهم:

منها ما ذكره سليم بن قيس (رض) في كتابه ضمن رواية احتوت وصية رسول الله صلى الله عليه وآله الأخيرة ساعة وفاته, قال: يا علي، إنك ستلقي بعدي من قريش شدة، من تظاهرهم عليك وظلمهم لك, فإن وجدت أعوانا عليهم فجاهدهم وقاتل من خالفك بمن وافقك، فإن لم تجد أعوانا فاصبر وكف يدك ولا تلق بيدك إلى التهلكة، فإنّك مني بمنزلة هارون من موسى، ولك بهارون أسوة حسنة, إنّه قال لأخيه موسى: إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني([2]).

وفي خبر آخر, قال: فأبشر يا علي، فإن حياتك وموتك معي، وأنت أخي وأنت وصيي وأنت صفيي ووزيري ووارثي والمؤدي عني، وأنت تقضي ديني وتنجز عداتي عني، وأنت تبرء ذمتي وتؤدي أمانتي وتقاتل على سنتي الناكثين من أمتي والقاسطين والمارقين، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، ولك بهارون أسوة حسنة إذ استضعفه قومه وكادوا يقتلونه, فاصبر لظلم قريش إياك وتظاهرهم عليك، فإنّك بمنزلة هارون من موسى ومن تبعه وهم بمنزلة العجل ومن تبعه, وإنّ موسى أمر هارون حين استخلفه عليهم: إن ضلوا فوجد أعوانا أن يجاهدهم بهم، وإن لم يجد أعوانا أن يكف يده ويحقن دمه ولا يفرق بينهم([3]).

وفي رواية أخرى في نفس المصدر, يجيب أمير المؤمنين عليه السلام عن سؤال الأشعث بن قيس الكندي:فما يمنعك يا بن أبي طالب حين بويع أخو تيم بن مرة وأخو بني عدي بن كعب وأخو بني أمية بعدهما، أن تقاتل وتضرب بسيفك؟ وأنت لم تخطبنا خطبة منذ كنت قدمت العراق إلّا وقد قلت فيها قبل أن تنزل عن منبرك: (والله إنّي لأولى الناس بالناس وما زلت مظلوما منذ قبض الله محمدا صلى الله عليه وآله) فما منعك أن تضرب بسيفك دون مظلمتك ؟ فقال له علي عليه السلام: يا بن قيس، قلت فاسمع الجواب: لم يمنعني من ذلك الجبن ولا كراهية للقاء ربي، وأن لا أكون أعلم أنّ ما عند الله خير لي من الدنيا والبقاء فيها، ولكن منعني من ذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وعهده إلي, أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله بما الأمة صانعة بي بعده، فلم أك بما صنعوا حين عاينته بأعلم منّي ولا أشدّ يقينا منّي به قبل ذلك، بل أنا بقول رسول الله صلى الله عليه وآله أشدّ يقينا مني بما عاينت وشهدت, فقلت: يا رسول الله، فما تعهد إلي إذا كان ذلك؟ قال: إن وجدت أعوانا فانبذ إليهم وجاهدهم، وإن لم تجد أعوانا فاكفف يدك واحقن دمك حتى تجد على إقامة الدين وكتاب الله وسنتي أعوانا, وأخبرني ݕ أنّ الأمة ستخذلني وتبايع غيري وتتبع غيري, وأخبرني ݕ أنّي منه بمنزلة هارون من موسى، وأنّ الأمة سيصيرون من بعده بمنزلة هارون ومن تبعه والعجل ومن تبعه، ..., وإنّما يعني أنّ موسى أمر هارون, حين استخلفه عليهم ,إن ضلوا فوجد أعوانا أن يجاهدهم، وإن لم يجد أعوانا أن يكف يده ويحقن دمه ولا يفرق بينهم, وإنّي خشيت أن يقول لي ذلك أخي رسول الله صلى الله عليه وآله: ( لم فرقت بين الأمة ولم ترقب قولي وقد عهدت إليك إن لم تجد أعوانا أن تكف يدك وتحقن دمك ودم أهل بيتك وشيعتك)؟ ([4])

وروى الشيخ قدس سره في الغيبة بسند صحيح عن ابن عباس (رض) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في وصيّته لأمير المؤمنين عليه السلام : يا علي إن قريشا ستظاهر عليك، وتجتمع كلمتهم على ظلمك وقهرك، فإن وجدت أعوانا فجاهدهم ، وإن لم تجد أعوانا فكف يدك واحقن دمك، فإن الشهادة من ورائك لعن الله قاتلك([5]).

إذن عندنا وصية ثابتة عن النبي المصطفى صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام بحفظ دمه وعدم خوض نزاع مسلّح مع القوم إلّا اجتمع حوله عدد كاف من الناس حدّدته بعض الروايات بأربعين رجلا.

وقد سعى أمير المؤمنين عليه السلام لجمع هذه العدّة واستنصر المهاجرين والأنصار كما تقدّم إلّا أنه لم يستجب له إلّا عدد قليل جدّا ثلاثة أو أربعة أو سبعة كما ذكرت النصوص.

مصادر الوصية في كتب أهل السنة:

قد يتساءل القارىء العزيز: هل ثبتت هذه الوصية لأمير المؤمنين ݠ في كتب المخالفين؟ أم أنّ هذه الوصية هي من مختصات كتب الشيعة فقط؟

والجواب: أنّ نفس هذه الوصية قد وردت في المصادر الروائية عند أهل السنة والجماعة, وهي قول النبي صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين علي عليه السلام: سيكون بعدي اختلاف أو أمر فان استطعت أن تكون السلم فافعل([6]).

وقد علّق الهيثمي على سند هذه الرواية بقوله: رواه عبد الله ورجاله ثقات([7]).

كما صحّح الخبر أحمد شاكر في تحقيقه على مسند أحمد بن حنبل, قال: اسناده صحيح([8]).

وهنا قد يطرح تساؤل آخر: ما الدليل على أنّ متعلّق هذه الوصيّة هو النزاع الدائر بين أمير المؤمنين عليه السلام وبين الأول والثاني والذي كان من تبعاته ضرب الزهراء عليها السلام؟

والجواب: هو أنّه من يتتبّع الروايات الشريفة يجد أنّ هناك وصيتين لأمير المؤمنين عليه السلام , الوصية الأولى هي الوصية المتقدمة التي ذكرناها وأثبتنا صحتها من كتب الشيعة والسنة.

أمّا الوصية الثانية فهي وصيّته صلى الله عليه وآله له بقتال الناكثين والمارقين التي استفاضت في كتب الفريقين:

فقد أخرج الحاكم بسنده عن عقاب بن ثعلبة: حدثني أبو أيوب الأنصاري في خلافة عمر بن الخطاب ، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين([9]).

وروى الطبراني بسنده عن محنف بن سليم، قال: أتينا أبا أيوب الأنصاري وهو يعلف خيلاً له بصعنبى، فقلنا عنده، فقلت له: أبا أيوب قاتلتَ المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم جئت تقاتل المسلمين؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني بقتال ثلاثة: الناكثين، والقاسطين، والمارقين، فقد قاتلت الناكثين، وقاتلت القاسطين، وأنا مقاتل إن شاء الله المارقين بالشعفات بالطرقات بالنهراوات، وما أدري ما هم([10]).

ورواه بسنده عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: أمر رسول الله ﷺ بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين([11]).

ورواه في الأوسط بسنده عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، قال: سمعت عليًّا يقول: أُمرتُ بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين([12]).

ورواه بسنده عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: أُمر علي بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين([13]).

ورواه أبو يعلى بسنده عن علي بن ربيعة، قال: سمعت عليًّا على منبركم هذا يقول: عهد إلي النبي  أن أقاتل الناكثين، والقاسطين، والمارقين([14]).

وروى بسنده عن عمار بن ياسر، قال: أمرت أن أقاتل الناكثين، والقاسطين، والمارقين([15]).

وأشار لهذا المعنى أمير المؤمنين عليه السلام في أحدى خطبه في نهج البلاغة, قال: فلما نهضتُ بالأمر نكثتْ طائفة، ومرقتْ أخرى، وقسط آخرون, كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين؛ بلى والله لقد سمعوها ووعوها, ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها([16]).

ولا شكّ أنّ المراد بهذه الوصية هم أهل الجمل والنهروان وصفين بقرينة قول أمير المؤمنين عليه السلام (فلمّا نهضت الأمر) أي بعد أن توليت الخلافة الظاهرية سنة 35هـ, وعليه فالمراد من الوصية الأولى الفترة الممتدّة من وفاة الخاتم ݕ إلى حين توليه الأمر.

وعليه فالنبي صلى الله عليه وآله أمر عليا عليه السلام بالصبر في حال وقوع (اختلاف أو أمر) بحسب تعبير الرواية, والظاهر أنّ قوله (أمر) هو تصرّف من الرواة في الحديث بغرض اخفاء الحقيقة وتخفيف الموضوع وإلّا فالاختلاف المذكور في الحديث هو ما عبّرت عليه رواياتنا (التظاهر/ والاستضعاف).

وهناك رواية ذكرتها بعض مصادر العامّة نصّت على حقيقة هذا (الاختلاف) وكشفت النقاب عنه:

فقد روى الحاكم النيسابوري في المستدرك: عن حيان الأسدي سمعت عليا يقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله  إنّ الأمة ستغدر بك بعدي و أنت تعيش على ملتي و تقتل على سنتي من أحبّك أحبّني و من أبغضك أبغضني و إن هذه ستخضب من هذا يعني لحيته من رأسه([17]).

 وروى كذلك بسنده: عن أبي إدريس الأودي عن علي عليه السلام قال: إنّ مما عهد إلي النبي صلى الله عليه وآله  أنّ الأمة ستغدر بي بعده([18]).

فهذه الأحاديث تثبت أنّ ما سيتعرّض له أمير المؤمنين علي عليه السلام هو غدر به من قبل هذه الأمة, وبالجمع بينها وبين حديث الوصية المتقدّم نعلم أنّ تكليف أمير المؤمنين عليه السلام هو الصبر وعدم سلّ السيف لحرب الذين غدروه.

لماذا هذه الوصية؟

قد يظن البعض أنّ هذه الوصية هي مجرّد تكليف شخصي لأمير المؤمنين عليه السلام ولا واقع لها في الخارج, ولهذا أشكل البعض أنّه لا يمكن قبول هذه الوصية لكونها لا فائدة فيها سوى اضعاف موقف علي بن أبي طالب عليه السلام.

وهذا غير صحيح, ومنشأ هذا الاشتباه هو النظرة القاصرة للأوضاع العامة لبلاد المسلمين في ذلك الوقت:

فمن يقرأ الأحداث قراءة سياسية بحتة يجد أنّ الدولة الاسلامية الفتية كانت مستعدة للدخول في حرب أهلية حقيقية ستعصف بكلّ ما بناه النبي المصطفى صلى الله عليه وآله في هذه السنوات العشر:

فبلاد فارس كانت تحكمها امبراطورية قوية يمتدّ تاريخها إلى مئات السنين ذات أطماع توسعية كبيرة جدّا خصوصا بعد أن هزمت الإمبراطورية البزنطية في بعض المعارك وتوسّعت على حسابها.

وبلاد الروم تحكمها امبراطورية قوية أيضا منيت بأكثر من هزيمة من قبل الفرس وهي تسعى لتدارك هذه الهزائم وبتعويض الخسائر والحلقة الأضعف بين الثلاثة هي دولة المسلمين الفتية.

أمّا جزيرة العرب فهي متذبذة بين الحفاظ على اسلامها وبين المتنبئين الذين ظهروا في بعض مناطقهم كمسيلمة الكذّاب والأسود العنسي وسجاح وغيرهم الذين طالما انتظروا وفاة النبي ݕ.

أمّا مكّة المكرمة فهي آخر المناطق دخولا للاسلام أو بتعبير أصح (الاستسلام) حيث خاف صناديد قريش من انتقام المسلمين منهم نتيجة التعذيب والتنكيل الذين لاقوه منهم في بداية الاسلام وفي الحروب التي دارت بينهم, ومن هنا اعتبر مسلمة الفتح من المؤلفة قلوبهم.

أمّا المدينة المنورة فيكفينا تصوير القرآن الكريم للتركيبة الاجتماعية فيها: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين),  فالمدينة محاطة بالأعراب الذين عُبّر عنهم في آية أخرى (أشدّ كفرا ونفاقا) وفي داخلها مجموعة من المنافقين الذين مردوا على النفاق بمعنى أنّهم أجادوا تمثيل دور المسلم بحيث لا يمكن تمييزهم عن غيرهم, ويكفينا لمعرفة دور هؤلاء محاولتهم اغتيال النبي ݕ في غزوة تبوك سنة 9هـ, ممّا يبين عظم نفوذهم في المجتمع المدني في ذلك الوقت.

ولا ننسى قبائل اليهود التي كانت محيطة بالمدينة المنورة وكانوا يحيكون المؤامرات لإسقاط الدولة الإسلامية وافشال دعوة المسلمين, حقدا منهم على الإسلام وأهله, وقد كان لهم دور كبير في الحروب التي قام بها كفّار قريش ضد المسلمين لاسيما غزوة الأحزاب التي كادت أن تذهب بالإسلام وأهله.

ومن هنا فقد أجلى النبي صلى الله عليه وآله قسما من القبائل اليهودية التي شاركت في هذه المؤامرات وزاد الحقد والبغضاء في قلوبهم.

فلو حصل نزاع مسلّح بين أمير المؤمنين عليه السلام الذي يدين له بالولاء قسم كبير من المسلمين الذين سبق أن سمعوا فضائله ومناقبه من النبي صلى الله عليه وآله بل بايعوه قبل سنة واحدة في الغدير, وعلى رأس هؤلاء الجيش المجهز لقتال الروم والذي يقوده أسامة بن زيد وبين حزب السقيفة الذين تحالفوا مع بعض الأعراب الذين كانوا يحيطون بالمدينة وببعض كبار قريش الذين يحملون أحقادا بدرية أحدية حنينية في قلوبهم على علي ݠ, فستكون الخسائر فادحة من الطرفين وستستغل الأطراف الخارجية كالفرس والروم هذا الصراع الداخلي لاجتياح بلاد المسلمين واعادة السيطرة عليهم ولما قامت للاسلام قائمة بعد ذلك اليوم.

ويظهر من القرائن أنّ المنافقين كانوا ينتظرون وقوع مثل هذا الخلاف للفتك بالإسلام وأهله, فقد روى القوم: جاء أبو سفيان بن حرب إلى علي بن أبي طالب عليه السلام, فقال: ما بال هذا الأمر في أقلّ قريش قلّة وأذلّها ذلّة يعنى أبا بكر, والله لئن شئت لأملأنّها عليه خيلا ورجالا, فقال علي لطال ما عاديت الإسلام وأهله يا أبا سفيان([20]).

فاعتبر أمير المؤمنين عليه السلام عرض أبا سفيان وتحريضه على القتال عداء منه للإسلام وكيد منه لأهله.

وأفضل بيان لما قلناه هو ما نقله ابن أبي الحديد المعتزلي على لسان أمير المؤمنين عليه السلام, قال: وقد روى عنه عليه السلام أنّ فاطمة ݝ حرّضته يوما على النهوض والوثوب فسمع صوت المؤذن (أشهد أنّ محمدا رسول الله), فقال لها: أيسرّك زوال هذا النداء من الأرض؟ قالت: لا, قال: فإنّه ما أقول لك([21]).

وهذا هو مراده من قوله عليه السلام في الشقشقية: أما والله لقد تقمصها فلان وإنّه ليعلم أنّ محلي منها محلّ القطب من الرحى, ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير, فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا, وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير, ويشيب فيها الصغير, ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه, فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا أرى تراثي نهبا([22]).

فقيام نزاع مسلّح بين الطرفين يعني نهاية الاسلام وسقوط الدولة التي تأوي المسلمين وتحميهم.

هل سكت الإمام علي عليه السلام عند ضرب الزهراء؟

دائما ما يصوّر أصحاب الاشكال أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يحرّك ساكنا عندما هجموا على بيت النبوة واعتدوا على الزهراء عليها السلام واتخذ موقف المتفرج من هذا الحدث, وهذا ما يرفضه كلّ عاقلا خصوصا مع ما عرف من غيرة وشجاعة الأمير.

والحقّ أنّ هذه الفكرة غير صحيحة فليس أمير المؤمنين عليه السلام الذي تضرب زوجته ويبقى متفرّجا, بل إنّ النصوص الشريفة ذكرت موقفه ݠ في الدفاع عن حليلته بنت رسول الله صلى الله عليه وآله:

فقد روى سليم (رض) في كتابه واصفا المشهد:...فوثب علي عليه السلام فأخذ بتلابيبه ثم نتره فصرعه ووجأ أنفه ورقبته وهم بقتله، فذكر قول رسول الله وما أوصاه به، فقال: (والذي كرّم محمدا بالنبوة -يا بن صهاك- لولا كتاب من الله سبق وعهد عهده إلي رسول الله ݕ لعلمت إنك لا تدخل بيتي)؛ فأرسل عمر يستغيث، فأقبل الناس حتى دخلوا الدار وثار علي ݠ إلى سيفه, فرجع قنفذ إلى أبي بكر وهو يتخوف أن يخرج علي ݠ إليه بسيفه، لما قد عرف من بأسه وشدته, فقال أبو بكر لقنفذ: ( إرجع، فإن خرج وإلّا فاقتحم عليه بيته، فإن امتنع فاضرم عليهم بيتهم النار), فانطلق قنفذ الملعون فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن، وثار علي ݠ إلى سيفه فسبقوه إليه وكاثروه وهم كثيرون، فتناول بعضهم سيوفهم فكاثروه وضبطوه فألقوا في عنقه حبلا وحالت بينهم وبينه فاطمة ݝ عند باب البيت، فضربها قنفذ الملعون بالسوط فماتت حين ماتت وإن في عضدها كمثل الدملج من ضربته، لعنه الله ولعن من بعث به([23]).

وفي رواية أخرى:...فوثب علي بن أبي طالب ݠ فأخذ بتلابيب عمر ثم هزّه فصرعه ووجأ أنفه ورقبته وهمّ بقتله، فذكر قول رسول الله ݕ وما أوصى به من الصبر والطاعة، فقال: (والذي كرم محمدا بالنبوة يا بن صهاك، لولا كتاب من الله سبق لعلمت أنك لا تدخل بيتي), فأرسل عمر يستغيث, فأقبل الناس حتى دخلوا الدار, وسلّ خالد بن الوليد السيف ليضرب فاطمة عليها السلام فحمل عليه بسيفه، فأقسم على علي عليه السلام فكفّ([24]).

كما نقل اليعقوبي في تاريخه صورة أخرى من دفاع أمير المؤمنين عليه السلام على زوجته فاطمة عليها السلام, قال:...فأتوا في جماعة حتى هجموا الدار، وخرج علي ومعه السيف، فلقيه عمر، فصارعه عمر فصرعه، وكسر سيفه، ودخلوا الدار فخرجت فاطمة فقالت: والله لتخرجن أو لأكشفن شعري ولا عجن إلى الله ! فخرجوا وخرج من كان في الدار وأقام القوم أياما ([25]).

فمن هنا نعلم أنّ الصورة المرسومة في أذهان البعض حول موقف علي ݠ عند الهجوم على بيته غير صحيحة بل الثابت هو دفاعه عن بيت الوحي بالمقدار الذي أذن له فيه.

(قضية عثمان) باء تجر  وباء لا تجر!!

الملاحظ أنّ أصحاب هذه الشبهة التي مللنا من تكرارها يعتبرون هذا الموقف من أمير المؤمنين عليه السلام مطعنا فيه ومنقصة لشأنه, لكن نجد أنّهم ينسبون نفس هذا الموقف لعثمان بل أعظم منه!

فقد روت المصادر التاريخية قصة احراق القوم لباب عثمان وهجومهم على داره وما حصل عند ذلك:

فقد روى ابن كثير في تاريخه عند تعرضه إلى كيفية قتل عثمان: فكان أول من دخل عليه رجل يقال له الموت الاسود فخنقه خنقا شديدا حتى غشي عليه، وجعلت نفسه تتردّد في حلقه، فتركه وهو يظنّ أنّه قد قتله، ودخل ابن أبي بكر فمسك بلحيته ثم ندّ وخرج، ثم دخل عليه آخر ومعه سيف فضربه به فاتقاه بيده فقطعها، فقيل: إنّه أبانها: وقيل: بل قطعها ولم يبنها، إلّا أنّ عثمان قال: والله إنها أول يد كتبت المفصل، فكان أول قطرة دم منها سقطت على هذه الآية ﮋﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮊ  ثم جاء آخر شاهرا سيفه فاستقبلته نائلة بنت الفرافصة لتمنعه منه، وأخذت السيف فانتزعه منها فقطع أصابعها ثم إنه تقدم إليه فوضع السيف في بطنه فتحامل عليه،...وفي رواية أنّ الغافقي بن حرب تقدم إليه بعد محمد بن أبي بكر فضربه بحديدة في فيه، ورفس المصحف الذي بين يديه برجله فاستدار المصحف ثم استقر بين يدي عثمان, وسالت عليه الدماء، ثم تقدّم سودان بن حمران بالسيف فمانعته نائلة فقطع أصابعها فولّت فضرب عجيزتها بيده وقال: إنها لكبيرة العجيزة, وضرب عثمان فقتله، فجاء غلام عثمان فضرب سودان فقتله، فضرب الغلام رجل يقال له قترة فقتله([26]).

وقريبا منه ما نقله ابن الأثير في كامله, قال: ثار قتيرة وسودان بن حمران والغافقي فضربه الغافقي بحديدة معه وضرب المصحف برجله فاستدار المصحف واستقر بين يديه وسالت عليه الدماء وجاء سودان ليضربه فأكبت عليه امرأته واتقت السيف بيدها فنفح أصابعها فأطن أصابع يديها وولت فغمز أوراكها وقال إنها لكبيرة العجز وضرب عثمان فقتله([27]).

إذن عثمان حوصر بيته وأحرق بابه وهاجمه القوم وانتهى الأمر بقتله بل وبالاعتداء على زوجته بصورة مخزية كما مرّ في هذه النصوص التاريخية, علما أنّ عثمان كان خليفة في ذلك الوقت وكانت بيده كلّ جيوش المسلمين, فلماذا لم يدافع عن نفسه وعن زوجته واكتفى بقراءة القرآن؟

وعندما نسأل هذا السؤال يجيبنا محبّوه أنّ سبب امتناعه عن الدفاع عن نفسه وعن عرضه هو التزامه بوصيّة أوصاه إياها رسول الله صلى الله عليه وآله تتعلّق بخصوص هذه الحادثة:

فقد روى الترمذي بسنده: عن أبي سهلة قال: قال لي عثمان يوم الدار إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد عهد إلى عهدا فأنا صابر عليه([28]).

ومن هنا فإنّه امتنع عن أي عمل دفاعي عن بيته وعرضه بل منع كلّ من حاول ذلك, وقد نقل لنا ابن كثير تفصيل الخبر, قال: كان الحصار مستمرا من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة، فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار وكانوا قريبا من سبعمائة، فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة، وخلق من مواليه، ولو تركهم لمنعوه فقال لهم: أقسم على من لي عليه حق أن يكفّ يده وأن ينطلق إلى منزله، وعنده من أعيان الصحابة وأبنائهم جم غفير، وقال لرقيقه: من أغمد سيفه فهو حر؛ فبرد القتال من داخل، وحمي من خارج، واشتد الأمر، وكان سبب ذلك أن عثمان رأى في المنام رؤيا دلت على اقتراب أجله فاستسلم لأمر الله رجاء موعوده([29]).

فلا ندري لماذا يُستشكل علينا تصديقنا بقضية الهجوم على بيت الزهراء عليها السلام ويُسكت على قضية عثمان فلا يغمز ولا يلمز فيها أحد من الناس؟!

بل الأعجب من هذا عدّهم للهجوم على بيت عثمان وقتله والاعتداء المخزي على زوجته منقبة وفضيلة لعثمان بل من أعظم مناقبه وفُضّل بها على علي أمير المؤمنين عليه السلام!

قال ابن تيمية في منهاجه: ومن المعلوم بالتواتر أنّ عثمان كان من أكفّ الناس عن الدماء وأصبر الناس على من نال من عرضه وعلى من سعى في دمه فحاصروه وسعوا في قتله وقد عرف إرادتهم لقتله وقد جاءه المسلمون من كل ناحية ينصرونه ويشيرون عليه بقتالهم وهو يأمر الناس بالكف عن القتال ويأمر من يطيعه أن لا يقاتلهم, وروى أنّه قال لمماليكه من كف يده فهو حر, وقيل له: تذهب إلى مكة؟ فقال: لا أكون ممّن ألحد في الحرم, فقيل له: تذهب إلى الشام؟ فقال: لا أفارق دار هجرتي, فقيل له: فقاتلهم, فقال: لا أكون أول من خلف محمدا في أمته بالسيف, فكان صبر عثمان حتى قتل من أعظم فضائله عند المسلمين ومعلوم أن الدماء الكثيرة التي سفكت باجتهاد علي ومن قاتله لم يسفك قبلها مثلها من دماء المسلمين([30]).

فمن هنا نعلم أنّ هذه الشبهة التي يثيرها البعض الغرض منها هو التشويش واثارة الغبار على هذه القضية المهمة.



([1]) دلائل الصدق 3/80.

([2]) كتاب سليم 135.

([3]) كتاب سليم 136.

([4]) كتاب سليم 215.

([5]) الغيبة 193.

([6]) مسند أحمد 1/90.

([7]) مجمع الزوائد 7/234.

([8]) مسند أحمد 1/469.

([9]) المستدرك على الصحيحين 3/150.

([10]) المعجم الكبير 4/171.

([11]) المعجم الكبير 10/91.

([12]) المعجم الأوسط 8/213.

([13]) نفس المصدر 9/165.

([14]) مسند أبي يعلى 1/397.

([15]) مسند أبي يعلى 3/194.

([16]) نهج البلاغة 1/36.

([17]) المستدرك 3/153: علّق الحاكم على هذا الحديث: صحيح ووافقه الذهبي في التلخيص

([18]) المستدرك 3/153: علّق الحاكم على هذا الحديث: صحيح ووافقه الذهبي في التلخيص

([20]) المستدرك 3/78

([21]) شرح نهج البلاغة 11/113.

([22])نهج البلاغة 1/31.

([23]) كتاب سليم 151.

([24]) كتاب سليم 387.

([25]) تاريخ اليعقوبي 2/126: ظاهر نصّ اليعقوبي أنّ المصروع هو أمير المؤمنين ݠ لكن ما عرف من التاريخ وما تبيّن من رواية كتاب سليم نعلم أنّ الذي صرع هو المهاجم لبيت فاطمة ݝ وليس علي ݠ.

([26]) البداية والنهاية 7/210.

([27]) الكامل في التاريخ 3/187.

([28]) سنن الترمذي 5/295: علق الترمذي على الحديث بقوله: هذا حديث حسن صحيح, كما صححه الألباني في صحيح الترمذي ح2928.

([29]) البداية والنهاية 7/203.

([30]) منهاج السنة 6/144.

التقييم التقييم:
  6 / 4.8
 التعليقات
لا توجد تعليقات

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل
 خدمة الواتساب
http://ahmdi.org/whatsapp.png

   أرسل (سجل) إلى:

 

009647721146059

 جديد الكتب

 كلامكم نور
عن الإمام الصادق (ع): أنّ الله تعالى أمهر فاطمة عليها السلام ربع الدنيا، فربعها له، وأمهرها الجنة والنار، تدخل أعداءها النار، وتدخل أولياءها الجنة، وهي الصديقة الكبرى، وعلى معرفتها دارت القرون الأول
 أرسل سؤالك

http://ahmdi.org/templates/default/icons/link.gif أرســل ســؤالك

 مرئية مختارة
 كتاب مختار