القائمة الرئيسية:
 البحث:
 صورة مختارة


الصفحة الرئيسية » المقالات » متفرقة » الحج أم زيارة الحسين (ع)؟
 متفرقة

المقالات الحج أم زيارة الحسين (ع)؟

القسم القسم: متفرقة الشخص الكاتب: الشيخ أحمد سلمان التاريخ التاريخ: 2016/09/16 المشاهدات المشاهدات: 10427 التعليقات التعليقات: 5
مناقشة إثارة الشيخ حسن فرحان المالكي حول ثواب زيارة الحسين عليه السلام يوم عرفة

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلّ على محمد وآل محمد

 

كتب الأخ الحبيب والعزيز الأريب الشيخ حسن فرحان المالكي مجموعة تغريدات انتقد فيها ما أسماه غلو الشيعة في زيارة الحسين عليه السلام يوم عرفة واعتبر الروايات التي تضخّم ثواب زيارة الإمام الحسين عليه السلام مخالفة للقرآن الكريم، ولنا مع ما ذكره وقفة توضيحية لما توهّمه سماحة الشيخ غلوّا:

 

الحج عند الشيعة:

لا شكّ ولا ريب أنّ الحج من شعائر الله التي أثبتها القرآن الكريم والأحاديث المتواترة وأصبح وجوبه من ضرورات الدين:

-       قال السيد اليزدي فقيه الشيعة في عصره: الحجّ الذي هو أحد أركان الدين ومن أوكد فرائض المسلمين قال الله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)، وغير خفي على الناقد البصير ما في الآية الشريفة من فنون التأكيد وضروب الحثّ والتشديد ولاسيما ما عرض به تاركه من لزوم كفره واعراضه عنه بقوله عزّ شأنه: (ومن كفر فإنّ الله غني عن العالمين)...-العروة الوثقى 2/127-.

-       وقال زعيم الحوزة في عصره السيد الخوئي قدس سره: لا ريب أنّ الحجّ من أهمّ الواجبات الإلهية ومن أركان الدين وممّا بني عليه الإسلام وفي راويات كثيرة ذكرها الخاصّة والعامّة إنّ الإسلام بني على خمس ومنها الحجّ -المعتمد في شرح العروة الوثقى 26/3-

ومن يقرأ روايات الشيعة المنقولة عن أئمّتهم الأطهار يجد تشديدا على ضرورة الحج وحرمة تركه:

-       منها صحيحة أبي بصير، قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من مات وهو صحيح موسر لم يحجّ فهو ممن قال الله عز وجل : ( ونحشره يوم القيامة أعمى ) –وسائل الشيعة 11/27-

-       ومنها صحيحة ذريح المحاربي، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ومن مات ولم يحج حجة الاسلام ، لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به ، أو مرض لا يطيق فيه الحج ، أو سلطان يمنعه ، فليمت يهوديا أو نصرانيا. –وسائل الشيعة 11/30-

-       وفي وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام التي رواها الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن آبائه:... يا علي ، تارك الحج وهو مستطيع كافر ، يقول الله تبارك وتعالى : (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين) يا علي، من سوف الحج حتى يموت بعثه الله يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا. –وسائل الشيعة 11/32-

 

أمّا فيما يتعلّق بثواب الحجّ فالروايات مستفيضة حول الأجر العظيم الذي يحصل له الحاج نذكر منها:

-       صحيحة معاوية بن عمار قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : الحجاج يصدرون على ثلاثة أصناف صنف يعتق من النار ، وصنف يخرج من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمه ، وصنف يحفظ في أهله وماله، فذاك أدنى ما يرجع به الحاج. –وسائل الشيعة 11/94-

-       موثقة أبي بصير: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ضمان الحاج والمعتمر على الله إن أبقاه بلغه أهله، وإن أماته أدخله الجنة. –وسائل الشيعة 11/96-

-       معتبرة أبي حمزة الثمالي: قال رجل لعلي بن الحسين عليه السلام: تركت الجهاد وخشونته ولزمت الحج ولينه ، قال: وكان متكئا فجلس وقال : ويحك ، أما بلغك ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع ، إنه لما وقف بعرفة وهمت الشمس أن تغيب قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا بلال ، قل للناس فلينصتوا ، فلما انصتوا قال : إنّ ربكم تطول عليكم في هذا اليوم وغفر لمحسنكم، وشفع محسنكم في مسيئكم، فأفيضوا مغفورا لكم. –وسائل الشيعة 11/95-

كما أنّ الأحاديث الصحيحة نصّت على استحباب الحجّ كلّ سنة وعدم تركه ورغّبت في ذلك نذكر منها:

-       ما روي عن اسحاق بن عمار: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني قد وطنت نفسي على لزوم الحج كل عام بنفسي أو برجل من أهل بيتي بمالي ، فقال : وقد عزمت على ذلك ؟ قال : فقلت: نعم ، قال: فإن فعلت فأيقن بكثرة المال أو أبشر بكثرة المال والبنين. –وسائل الشيعة 11/133-

-       ما روي عن عذافر  قال أبو عبد الله عليه السلام ما يمنعك من الحج في كل سنة ؟ قلت جعلت فداك ، العيال ، قال : فقال إذا مت فمن لعيالك ؟ أطعم عيالك الخل والزيت وحج بهم كل سنة. –وسائل الشيعة 11/134-

-       ما روي عن الفضيل قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : لا وربّ هذه البنية لا يحالف مدمن الحج هذا البيت حمي ولا فقر أبدا. –وسائل الشيعة 11/134-

ومن هنا نعلم أنّ الشيعة يعظّمون شعيرة الحجّ ويوجبونها كبقية المسلمين بل أنّ ما ورد عندهم من روايات في فضل الحجّ والعمرة أكثر بعشرات المرّات من الروايات الواردة في كتب المذاهب الإسلامية الأخرى.

 

فضل زيارة الحسين (ع) يوم عرفة:

ورد أيضا في كتب الشيعة جملة من الأخبار الصحيحة عن أهل بيت الوحي تنصّ على ترتّب الثواب العظيم على من يزور قبر الحسين عليه السلام في يوم عرفة نذكر منها:

-       عن داود الرقي قال : سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد وأبا الحسن موسى بن جعفر ، وأبا الحسن علي بن موسى عليهم السلام يقولون: من أتى قبر الحسين بن علي عليه السلام بعرفة قلبه الله ثلج الوجه. –وسائل الشيعة 14/464-

-       وعن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من عرف عند قبر الحسين عليه السلام لم يرجع صفرا، ولكن يرجع ويداه مملوءتان. –وسائل الشيعة 14/464-

كما وردت عدّة روايات تقارن بين زيارة الحسين عليه السلام وبين موقف عرفة:

-       عن بشير الدهان ، قال : قال لي أبو عبد الله عليه السلام : يا بشير إن المؤمن إذا أتى قبر الحسين عليه السلام في يوم عرفة واغتسل بالفرات ثم توجه إليه كتب الله له بكل خطوة حجة بمناسكها، ولا أعلمه إلا قال : وغزوه. – وسائل الشيعة 14/461-

-       وعن زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من زار الحسين عليه السلام يوم عرفة عارفا بحقه كتب الله له ألف حجة مقبولة ، وألف عمرة مبرورة . – وسائل الشيعة 14/463-

 

هل تنافي هذه الروايات القرآن الكريم؟

أشكل الشيخ حسن المالكي على هذه الروايات بأنّها تنافي القرآن الكريم الذي حثّ على تعظيم الحجّ، والجواب:

  1. من يدّعي معارضة خبر أو حديث أو فكرة لكتاب الله عليه أن يبيّن موطن التعارض ويضع يده على الآيات المنافية لذلك بحيث تكون النسبة بين القرآن والحديث نسبة تباين وتكاذب فلا يمكن الجمع بينها بأي وجه من الوجوه، والشيخ حفظه الله لم يبيّن لنا ماهو مورد المعارضة بالضبط بين الروايات الشريفة والكتاب العزيز.
  2. إنّ الآيات القرآنية لم تحدّد أي ثواب للحج، ولم تنصّ على أفضلية الحجّ على باقي الأعمال، بل غاية ما نصّت عليه الآيات القرآنية هو وجوب الحجّ، وهذه الروايات التي استشنعها الشيخ نصّت على رجحان زيارة الحسين عليه السلام في يوم عرفة، وكما تقرّر في أصول الفقه أنّه لا تنافي بين المثبتات، فلو قلت أكرم العالم ثمّ قلت أكرم العابد فإنّ السامع يفهم أنّ المطلوب هو اكرام العابد بما هو عابد والعالم بما هو عالم ولم يقل أحد أنّ مثل هذا المورد هو تناقض أو تعارض بين  الأقوال، ومن هنا فإنّ إثبات الثواب العظيم لزيارة الحسين عليه السلام لا ينافي وجوب الحجّ ولا الثواب العظيم الذي يناله الحاج.
  3. ومن باب المثال فقد وردت عدّة أحاديث عند الفريقين تنصّ على استحباب صوم يوم عرفة وذكرت الثواب العظيم لذلك، وأخرى ذكرت ثواب الأضحية يوم العيد، وثواب التكبير في الأيام العشرة ولم يدّع أحد أنّها تنافي وجوب الحجّ.

 

هل في هذه الروايات (غلوّ)؟

أشكل الشيخ حفظه الله على هذه الروايات بأنّها تحمل نفسا مغاليا، ولعلّ السبب في هذا هو جعل الثواب المترتّب عن الزيارة أعظم من الثواب الذي يناله الحاجّ رغم وجوب الحج!

والجواب:

  1. إنّ مسألة الثواب والأجر من أخبار الغيب ولا طريق لنا لمعرفتها سوى طريق الوحي، فليست مسرحا للعقل أو الذوق، ومن هنا فإنّ إثبات الثواب لشيء يكون بواسطة الطرق الشرعية وهي الكتاب وقول المعصوم عليه السلام المتمثل في قول النبي المصطفى صلى الله عليه وآله والأئمة من بعده بحسب العقيدة الشيعية.
  2. إنّ التقييم الإلهي للأعمال يختلف اختلافا كليّا عن تقييماتنا، فنحن نقيس العمل بالزمن والجهد المبذول فيه ونعطي الأجر طبقا لهذه المقاييس، أمّا الميزان الإلهي فهو مختلف تماما عن موازيننا لأنّه ناظر إلى ملاكات قد نعلم ببعضها وقد يخفى الكثير منها عنّا، فلو وجّه السؤال للمسلمين من غيرهم: ما هي الفائدة من الطواف حول الأحجار والسعي بين الجبلين والوقوف بجبل ورمي أحجار؟ وكيف يستحقّ فاعلها هذا الثواب العظيم والغفران لما استطاع المسلم أن يقدّم جوابا عقلائيا سوى أنّ هذا الأمر ورد من جهة الشرع الذي ثبتت حجيّته بالعقل ونحن صدّقنا به.

كما أنّ التقييم الإلهي ينظر إلى النوايا والقلوب أكثر من نظره إلى أصل العمل، بل قد يتساوى العمل في الخارج لكن يتفاوت في الأجر بسبب التفاوت في النوايا، وقد ورد في الحديث النبوي: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) –صحيح البخاري 1/2-

بل قد يثاب الإنسان على عمل ويعاقب آخر إذا قام بنفس العمل كما بالنسبة لفعل الصلاة للمخلص والمرائي، فالمخلص يثاب على اخلاصه والمرائي يعاقب على ذلك.

  1. علما أنّ الغلوّ لغة وشرعا هو تجاوز الحدّ في الشيء، واعتبار الأمر غلوّا فرع معرفة حدّه، ومن هنا فعلى الذي يقول بأنّ مثل هذا الثواب هو من الغلو، عليه بيان مكانة زيارة الحسين عليه السلام عند الله جلّ جلاله بحيث إذا تجاوزنا هذه المكانة نكون قد غلونا فيها، ومثل هذا لا يكون إلّا بالرجوع للأحاديث التي نصّت على ما ذهب إليه الشيعة.
  2. من يقرأ كتب أهل السنة والجماعة نجد فيها الكثير من الأمور التي نصّوا على أنّها تفوق الحجّ أو تساويه في الأجر نذكر منها:
  • السعي إلى الصلاة المكتوبة: عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر كان له كاجر الحاج المحرم ومن مشى إلى سبحة الضحى كان له كأجر المعتمر وصلاة على اثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين. -مسند أحمد 5/268-
  • التعلّم في المسجد: عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه كان له كأجر حاج تاما حجته. –المعجم الكبير 8/94-
  • البقاء في المسجد: عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى صلاة الصبح في مسجد جماعة يثبت فيه حتى يصلي سبحة الضحى كان كأجر حاج أو معتمر تاما حجته وعمرته. -المعجم الكبير 8/154-

 

كيف يكون المستحبّ ثوابه أكثر من الواجب؟

لعلّ منشأ الاستغراب والاستهجان في هذه القضية هو مرتكز موجود في أذهان البعض: وهو أنّ الأمر الواجب لابدّ أن يكون ثوابه أكثر من المستحب وجوابه:

  1. لا يوجد دليل على هذه القاعدة البتّة لا من آية ولا من رواية بل حتى لو تتبّعنا كلمات العلماء واستقرأنا كلمات الفقهاء فلن نجد لها عينا ولا أثرا، وكلّ ما بني على مقدّمة باطلة فهو باطل إذ أنّ النتيجة تتبع أخس المقدّمات.
  2. بل نجد أنّ الدليل قام على خلافها إذ أنّ إجماع المسلمين قام على أنّ الابتداء بالسلام مستحب وردّ السلام واجب ومع هذا فإنّ ثواب المبتدىء أعظم من ثواب الرادّ عليه، وما ذكرناه هو من باب المثال فقط وإلّا هناك عدّة أمور مستحبّة تفوق الواجبة في الثواب.
  3. إنّ النكتة في أنّ المستحبّ ثوابه أكثر من الواجب هو أنّ هذا الأخير حكم إلزامي بمعنى أنّ الإنسان إذا لم يمتثل لأمر الله عزّ وجل فإنّه يعاقب لتركه وهذا هو الترهيب، أمّا الأمر المستحب فإنّ الباعث لامتثاله هو الرغبة في الثواب لذلك نجد أنّ الأحاديث تذكر ثواب المستحبّات لا الواجبات، ومن يتتبّع الأحاديث الشريفة نجد أنّها ركّزت على المستحبات فمثلا في الصوم الواجب نجد أنّ الأخبار ذكرت أنّ الله يثيب عليه ولم تبيّن مقدار الثواب بخلاف صيام يوم عرفة والست من شوال والأثنين والخميس الذي فصّلت الأحاديث في ثوابه.

 

التفاتة حول زيارة الحسين (ع):

لا يخفى على الشيخ أنّ الروايات التي ذكرت ثواب زيارة الحسين عليه السلام قيّدته بقيد مهم وهو: (عارفا بحقّه) ولم تعتبر الزيارة مجرّد الانتقال المكاني بل جعلت المعرفة شرطا في ترتّب هذا الثواب العظيم، وهنا لابدّ أن نرجع قليلا للتاريخ الأموي:

الكلّ يعلم أنّ بني أمية حاولوا اختزال الإسلام في الأمور العبادية المعروفة كالصلاة والصوم والحج وكانوا أوّل من رسّخ دعائم العلمانية المشوّهة، ثم بثوا عقيدة الإرجاء والجبر في أفعال العباد لأجل حماية سلطانهم وستر فظائعهم ومن هنا فإنّ العبادات قد تجرّدت عن معانيها السامية كأن تكون الصلاة آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر ويكون الصوم بابا من أبواب التقوى ويكون الحجّ ثورة على إبليس وزبانيته، فلذلك نجد أنّ الفكرة التي ترسخت في عقول الناس هي أنّ الدين قائم بقيام الشعائر أمّا روح الإسلام ودعامة الدين والهدف الأساسي من الرسالة: كإقامة دولة العدل ونصرة المستضعف ومقارعة الظلم فإنّها أصبحت نسيا منسيا.

وبقي الأمر كذلك مع بني العباس الذين زادوا الطين بلّة وظهروا للناس في ثوب النساك رغم المصائب والفظائع التي ارتكبوها بحيث مسخ الدين مسخا ووصلنا إلى ما وصلنا عليه الآن.

إلّا أنّ الحسين عليه السلام قد أعاد للدين روحه وللإسلام مجده عندما أحلّ من إحرام حجّه وتوجّه لمقارعة الظلم ودحض باطل الطغاة ولم يخرج معه في هذه الرحلة سوى سبعين رجلا انبروا لحماية دين الله ومن التحريف والتزييف والتلاعب الأموي وبقية الأمة غارقة في سباتها حتى أنّهم كانوا يأتمون في حجهم بالإمام العادل الذي ينصّبه خلفاء بني أمية!!

ومن هنا فإنّ الحث على زيارة الحسين عليه السلام عامة ويوم عرفة خاصة هو إحياء لهذه الروح وتنبيه لهذه الأمة التي لازالت تغطّ في نفس السبات عن طريق تذكيرها بالحسين وبنهضة الحسين عليه السلام.

ومن يقرأ الزيارة يجد أنّها تشير من أولها لآخرها إلى هذا المعنى:

فقد بدأت بذكر أكثر من نبي: السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله، السلام، عليك يا وارث إبراهيم خليل الله، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله، السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله..) وفي هذا إشارة واضحة إلى أنّ خط الأنبياء قد تمثّل وتجسّد في حركة الحسين عليه السلام وثورته على الظلم دون غيره.

ويشهد فيها المؤمن للحسين عليه السلام فيقول: (أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وأطعت الله ورسوله حتى أتاك اليقين..) فذكر هذه العبادات ولم يذكر غيرها لأنّ فيها طابع اصلاحي كالصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر في الإطار الفردي والزكاة التي تضمن حالة التكافل الإجتماعي وشعيرة الأمر بالمعروف التي تضمن حالة الصلاح الإجتماعي، وفي هذه الشهادة تربية للزائر على هذه الخصال...

ثم يتبرّأ المؤمن من كلّ من شارك في سفك دم الحسين عليه السلام: (فلعن الله أمة قتلتك ولعن الله أمة ظلمتك ولعن الله أمة سمعت بذلك فرضيت به يا مولاي يا أبا عبد الله) وفي هذا تربية للزائر على أنّ الظلم لا يختصّ بمن ارتكبه بل يشمل من رضي به ومن خضع للظالم...

إلى غيرها من المضامين العالية التي لو التزمت بها هذه الأمة لتغيّر حالها: فنحن نرى البعض يحجّ ويحجّ دون أن يهتم لأحوال إخوانه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها: فمسلمو أفريقيا وبورما يبادون ولا من مغيث والمجاعات تملأ عالمنا الإسلامي ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم...

نختم ونقول أنّ فلسفة الحجّ بطوافه وسعيه ورميه للجمرات يدور ويتمحور حول حركة أبي الأنبياء ابراهيم الخليل عليه السلام في خضوعه المطلق لله عز وجل ومواجهته الحازمة مع ابليس اللعين، وكلّ حجّ لا ينظر فيه إلى هذه الأمور ولا تكون فيه هذه الروح الخضوع لله عزّ وجل واتباع أوليائه ومواجهة إبليس وزبانيته من الإنس والجن فإنّه لا يكون حجّا بل هو مجرّد شعائر فارغة من محتواها يؤديها كلّ إنسان كما كان يؤديها أهل الجاهلية الذين كانوا يطوفون ويسعون ويرمون...

ومن هنا فإنّ النصوص قد صرّحت بأنّ قضاء حوائج الناس أفضل وأكثر ثوابا من كلّ العبادات:

  • عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الخلق كلهم عيال الله ، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله. –قضاء الحوائج 31-
  • عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قضى لأخيه حاجة كان بمنزلة من خدم الله عمره. –قضاء الحوائج 32-
  • عن عبد الله بن دينار ، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قيل يا رسول الله من أحب الناس إلى الله ؟ قال : أنفعهم للناس، وإن أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مؤمن تكشف عنه كربا، أو تقضى عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف شهرين في مسجد. –قضاء الحوائج 40-
  • عن الحسن، قال: لأن أقضي لأخ حاجة أحب إلي من أن أعتكف شهرين. –قضاء الحوائج 42-

وأوضح منها قضية ابن المبارك المعروفة التي سارت بها الركبان: وخرج مرة إلى الحج فاجتاز ببعض البلاد فمات طائر معهم فأمر بإلقائه على مزبلة هناك ، وسار أصحابه أمامه وتخلف هو وراءهم ، فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها فأخذت ذلك الطائر الميت ثم لفته ثم أسرعت به إلى الدار ، فجاء فسألها عن أمرها وأخذها الميتة ، فقالت أنا وأخي هنا ليس لنا شئ إلا هذا الإزار ، وليس لنا قوت إلا ما يلقى على هذه المزبلة ، وقد حلت لنا الميتة منذ أيام، وكان أبونا له مال فظلم وأخذ ماله وقتل . فأمر ابن المبارك برد الأحمال وقال لوكيله : كم معك من النفقة ؟ قال : ألف دينار، فقال : عد منها عشرين دينارا تكفينا إلى مرو واعطها الباقي، فهذا أفضل من حجنا في هذا العام ، ثم رجع

 

زبدة المقال:

لا شكّ في عظمة الحج ووجوبه على كلّ مسلم مستطيع،  ولا شكّ في استحباب زيارة الحسين عليه السلام ولاتنافي بين الامرين، فالأوّل واجب مرّة في العمر ويستحبّ تكراره والثاني مستحب وكلّ منهما يكمل الآخر فلا يمكن فصل الحج عن الحسين عليه السلام ولا فصل زيارته عن الحج.

 

التقييم التقييم:
  11 / 4.8
 التعليقات
الإسم: عقيل الزيادي
الدولة: العراق
النص: أحسنتم شيخنا وبارك الله بك على أخلاقك العالية
نحن نفتقر لهكذا ردود طيبة تزيد الإحترام المتبادل بين أصحاب الآراء المتعارضة
التاريخ: 2016/09/16 08:00 am
إجابة التعليق

الإسم: علي المحسن
الدولة: الاحساء
النص: احسنت شيخنا ورحم الله والديك ويكثر من امثالك

عندما يظهر شخص يقول الحق الكل يتكلم ويقول اسكتو للوحدة او لحفظ الوضع العام وعندما اعداء ال محمد عليهم السلام يتكلمون لا أحد يستنكر سفاهاتهم الا القليل
التاريخ: 2016/09/16 01:54 pm
إجابة التعليق

الإسم: إسماعيل بن حيدر الموسوي
الدولة: العراق
النص: نطلب من حسن فرحان المالكي أن يعتذر عما بدر منه من تهمة شعواء اتّهم بها شيعة آل محمد (عليهم السلام) بالغلو. ومعارضة القرآن الكريم - والعياذ بالله -! أحسنتم شيخنا وفقكم الله لمرضاته.
التاريخ: 2016/09/16 10:37 pm
إجابة التعليق

الإسم: ✍🏻 ͟النبہٰ ـراس
الدولة: الجزيرة المحمدية
النص: جميل جداً ما ذكرتموه
و نكات دقيقة و حاذقة جزاكم الله خير الجزاء
التاريخ: 2016/09/19 02:29 pm
إجابة التعليق

الإسم: أحمد البلادي
الدولة: الأحساء
النص: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك شيخنا العزيز. .
وكل التقدير للأستاذ الشيخ حسن المالكي.
التاريخ: 2016/09/20 09:02 am
إجابة التعليق

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل
 خدمة الواتساب
http://ahmdi.org/whatsapp.png

   أرسل (سجل) إلى:

 

009647721146059

 جديد الكتب

 كلامكم نور
عن الإمام الصادق (ع): أنّ الله تعالى أمهر فاطمة عليها السلام ربع الدنيا، فربعها له، وأمهرها الجنة والنار، تدخل أعداءها النار، وتدخل أولياءها الجنة، وهي الصديقة الكبرى، وعلى معرفتها دارت القرون الأول
 أرسل سؤالك

http://ahmdi.org/templates/default/icons/link.gif أرســل ســؤالك

 مرئية مختارة
 كتاب مختار