القائمة الرئيسية:
 البحث:
 صورة مختارة


الصفحة الرئيسية » المقالات » تاريخية » مع الدكتور الغامدي (في تضعيفه لخبر المبيت) 5
 تاريخية

المقالات مع الدكتور الغامدي (في تضعيفه لخبر المبيت) 5

القسم القسم: تاريخية الشخص الكاتب: الشيخ أحمد سلمان التاريخ التاريخ: 2015/12/10 المشاهدات المشاهدات: 998 التعليقات التعليقات: 0

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلّ على محمد وآل محمد

 

 

3. قول أحمد (روى حديثا منكرا):

من الأمور التي تمسّك بها الدكتور للطعن في وثاقة أبي بلج الفزاري قول الإمام أحمد (روى حديثا منكرا) بل نقل الشيخ أنّ مقصوده من الحديث المنكر هو حديث سدّ الأبواب الذي هو فقرة من فقرات حديث أبي بلج الطويل الذي نحن الآن بصدد مناقشته.

والجواب:

أولا: لا بدّ من تنقيح معنى النكارة عند قدماء أئمّة الجرح والتعديل، إذ أنّنا بالرجوع إلى كتب علم المصطلح نجد أنّ للمنكر إطلاقين عندهم: فكما يطلق على ما انفرد به الراوي الضعيف كذلك نجدهم يطلقونه على بعض تفرّدات الثقة، وفي هذا يقول الذهبي: المنكر وهو ما انفرد الراوي الضعيف به وقد يعدّ مفرد الصدوق منكرا (الموقظة 42).

لذلك نجد أنّ الذهبي قد استعمل هذا المعنى للنكارة في كتبه كما بيّن ذلك جلال الدين السيوطي: ووصف في الميزان عدة أحاديث في مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرهما من الكتب المعتمدة بأنها منكرة، بل وفي الصحيحين أيضا، وما ذاك إلا لمعنى يعرفه الحفاظ وهو أن النكارة ترجع إلى الفردية، ولا يلزم من الفردية ضعف متن الحديث فضلا عن بطلانه. (الحاوي للفتاوي 2/136)

وقد جزم ابن حجر العسقلاني بهذا الإطلاق عند أحمد بن حنبل حيث قال: المنكر أطلقه أحمد بن حنبل وجماعة على الحديث الفرد الذي لا متابع له فيحمل هذا على ذلك وقد احتجّ به الجماعة. (مقدمة فتح الباري 436)

وعليه فإنّ غاية ما يريده أحمد بن حنبل من قوله (روى حديثا منكرا) هو أنّ أبا بلج قد تفرّد برواية خبر لا أكثر من هذا ولا دلالة في العبارة على الجرح لا من قريب ولا من بعيد بل لعلّها تكون قرينة على توثيق أحمد بن حنبل له، فبحسب كلام الذهبي أنّ هذه العبارة تطلق على "مفرد الصدوق".

علما أنّ كبار الحفاظ قد نبهوا على هذا الخلط الذي يقع فيه بعض المبتدئين في هذا العلم نذكر منهم الحافظ اللنكوي قال: ولا تظنّن من قولهم هذا حديث منكر أنّ راويه غير ثقة فكثيرا ما يطلقون النكارة على مجرد التفرد وإن اصطلح المتأخرون على أنّ المنكر هو الحديث الذي رواه ضعيف مخالفا لثقة وأمّا إذا خالف الثقة غيره من الثقات فهو شاذ. (الرفع والتكميل 200)

ثانيا: لو قبلنا المعنى المعروف للنكارة فلن يضرّ أبا بلج شيئا، إذ أنّ القوم قد فرّقوا بين وصف الراوي بأنّه "يروي المناكير" أو "حديثه منكر" وبين وصفه بأنّ "له حديث منكر" وذلك أنّ العبارات الأولى تدلّ على أنّ دأب الراوي ذكر المناكير والغرائب أمّا الثانية فتدلّ على أنّه روى بعض الأحاديث المنكرة، وهذا ممّا لم يسلم منه راو ولا كتاب!

وقد فصّل الزيلعي القول في هذه المسألة وبيّنها بكل وضوح:...لأنّ من يقال فيه منكر الحديث ليس كمن يقال فيه روى أحاديث منكرة لأنّ منكر الحديث وصف في الرجل يستحق به الترك لحديثه والعبارة الأخرى تقتضي أنّه وقع له في حين لا دائما وقد قال أحمد بن حنبل في محمد بن إبراهيم التيمي يروي أحاديث منكرة وقد اتفق عليه البخاري ومسلم وإليه المرجع في حديث إنمّا الأعمال بالنيات وكذلك قال في زيد بن أبي أنيسة في بعض حديثه إنكاره وهو ممن احتج به البخاري ومسلم وهما العمدة في ذلك. (نصب الراية 1/256)

ولهذا نجد أنّ الحافظ ابن حجر قد نبّه إلى هذا أكثر من مرة في كتبه، منها ما في لسان الميزان: فلو كان كل من روى شيئا منكرا استحق أن يذكر في الضعفاء لما سلم من المحدثين أحد لا سيما المكثر منهم (لسان الميزان 2/308)

ومن هنا نعلم أنّ قول الإمام أحمد "روى حديثا منكرا" ليس بالجرح الذي يقتضي ترك حديث من جرح به بل لا يعتبر جرحا أساسا لأنّه قلّ من سلم من رواية المناكير حتى كبار الأئمة بخلاف من كان دأبه رواية المناكير وغلبت على حديثه، وقد صدق المحدث اللنكوي حين قال: في الفرق بين قولهم: حديث منكر ومنكر الحديث ويروي المناكير، وبين قولهم هذا حديث منكر وبين قولهم: هذا الراوي منكر الحديث وبين قولهم يروي المناكير فرق ومن لم يطّلع عليه زلّ وأضلّ وابتلي بالغرق (الرفع والتكميل 198) نسأل الله السلامة.

ثالثا: لو سلّمنا أنّ قوله "روى حديثا منكرا" من ألفاظ الجرح فإنّها معارضة بأقول أئمة آخرين وثّقوه بألفاظ صريحة لا مجال للتشكيك فيها، وعلى هذا فنحن في مورد تعارض جرح مع تعديل ولا مجال لقبول الجرح بكلّ سهولة بل لابدّ من النظر فيه وفي أسبابه لكي يقوى على معارضة التوثيق الذي سقناه.

ولا شكّ أنّه في مثل هذا التعبير ننظر في الحديث الذي رواه المتّهم هل هو فعلا منكر أم لا؟ ثم ننظر في سنده هل الحمل فيه عليه أم على غيره؟ فلعلّه هو مجرّد راو للخبر ويوجد في السند كذّاب أو وضّاع فيكون هو المتهم وهكذا...

أمّا قبول الجرح دون مقايسة مع التعديل وإعمال أدوات التعارض فهذا ليس من التحقيق في شيء.

 

من هو عمرو بن ميمون؟

من الإشكالات التي أثارها الدكتور في مقاله الأخير هو أنّ عمرو بن ميمون المذكور في هذا السند والذي يروي عنه أبو بلج الفزاري ليس الثقة المعروف بل هو رجل آخر ضعيف جدّا، ونقل عبارة الحافظ عبد الغني المصري قال: كما أنّ في سند هذا الخبر إشكالا آخر وهو: أنّ أبا بلج ذكره عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس، وقد قال الحافظ عبدالغني بن سعيد المصري: «أبا بلج» أخطأ في اسم عمرو بن ميمون هذا، وليس هو عمرو بن ميمون المشهور، (و) إنما هو ميمون أبو عبدالله مولى عبدالرحمن بن سمرة، وهو ضعيف .ذكر هذا ابن رجب في شرح العلل، وقال: وهذا ليس ببعيد، وساق إنكار الإمام أحمد أنكر له، وأنه قيل له: عمرو بن ميمون يروي عن ابن عباس؟ قال: ما أدري ما أعلمه".

والجواب:

أولا: إنّ ما ذكره الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري المتوفى سنة 409 هـ لم يقم عليه دليلا، ولم يسبقه أحد أئمة هذا الفنّ إليه، فهو قول مخترع لا حجّة عليه ولا يمكن أن نقبله ما لم يشمّر صاحبه على ساعدي الجدّ ويستدل على صحّة ما ذهب إليه.

وقد تقرّر في علم الحديث أنّ من يدعي الخطأ عليه البينة: قال المعلمي اليماني: والمقرّر عند أهل العلم جميعا أنّ الثقة الثبت قد يخطئ فإن ثبت خطؤه في شيء فإنما يترك ذاك الشيء فأما بقية روايته فهي على الصواب ومن ادّعى الخطأ في شيء فعليه البيان. (التنكيل 1/246)

وأفضل منه ما قاله الألباني:...فإنه يعلم أن تحديث الحافظ الثقة كابن عيينة من حفظه ليس بعلّة؛ بل هو فخر له، وأنّ تخطئة الثقة بمجرد الإحتمال ليس من شأن العلماء المنصفين، ولكنها العصبية المذهبية؛ نسأل الله السلامة! (سلسلة الأحاديث الضعيفة 13/212).

ولهذا نجد أنّ الحافظ ابن رجب الذي استشهد بكلامه الدكتور لم يجزم بصحة هذا القول بل غاية ما في الأمر أنّه لم يستبعده وقال:"ليس ببعيد" في حين نجد أنّ في هذا العصر ومع بعد الفاصلة الزمانية وضياع الكتب الحديثية التي كانت متوفرة عند القدماء من يجزم بكلام عبد الغني المصري ويرتب عليه أثرا في تضعيف الأحاديث.

ثانيا: إنّ جملة من الحفاظ الذين ترجموا لعمرو بن ميمون الأودي الثقة قد نصّوا على أنّ أبا بلج الفزاري من الرواة عنه، نذكر منهم:

  • ابن أبي حاتم: عمرو بن ميمون الاودى سكن الكوفة أدرك الجاهلية روى عن معاذ بن جبل روى عنه أبو إسحاق الهمداني وأبو بلج وحصين سمعت أبي يقول ذلك... (الجرح والتعديل 6/258)

  • الخطيب البغدادي: عمرو بن ميمون الأودي أدرك الجاهلية وأسلم وسكن الكوفة وحدث عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل روى عنه يزيد بن شريك التيمي وأبو إسحاق الهمداني وأبو بلج وحصين بن عبد الرحمن وقد ذكرت له حديثا في ترجمة إبراهيم بن يزيد أول الكتاب. (المتفق والمفترق 3/1668)

  • الحافظ المزي:...روى عنه: إبراهيم بن يَزِيد التَّيْمِيّ (ت ق)، والحارث بْن سويد التَّيْمِيّ (ق)، وحصين بْن عَبْد الرحمن (خ س)، والحكم بْن عتيبة، وربعي بْن حراش (س)، والربيع بْن خثيم (خ م ت س)، وزياد بْن الجراح (س)، وزياد بْن علاقة، وسَعِيد بْن جبير (خ)، وعامر الشعبي (م س)، وأَبُو قيس عبد الرحمن بن ثروان الأَودِيّ (سي ق)، وعَبْد الرحمن بْن سابط (د)، وعَبْد الملك بْن عُمَير (خ ت س)، وعبدة بْن أَبي لبابة، وعطاء بْن السائب (ت)، وعَمْرو بْن مرة (د س)، وعيسى بْن حطان، ومُحَمَّد بْن السائب بْن بركة المكي (سي)، ومحمد بْن سوقة، ومهاجر أَبُو الحسن (بخ)، وهلال بْن يسَاف (خت س)، ويزيد بن شريك والد إبراهيم التَّيْمِيّ (ق)، وأبو إسحاق السبيعي (ع)، وأَبُو بلج الفزاري (ت س). (تهذيب الكمال 22/262)

هذا غيض من فيض...

ثالثا: إنّ البخاري صاحب الصحيح قد أثبت رواية أبي بلج عن عمرو بن ميمون الأودي المعروف، حيث روى رواية القردة في تاريخه وعطف اسم أبي بلج على اسم راويتها في الصحيح، قال في ترجمته: قال نعيم بن حماد: حدثنا هشيم، عن أبي بلج، وحصين، عن عمرو بن ميمون: رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قرود، فرجموها، فرجمتها معهم (التاريخ الكبير 6/367)

ويكفينا هذا الخبر لإثبات أنّ عمرو بن ميمون الذي يروي عنه أبو بلج الفزاري هو المخضرم الثقة لا المختلف فيه.

 

طعن ابن الجوزي في الحديث:

من الأمور التي ذكرها الدكتور: هي طعن عبد الرحمن بن الجوزي في هذا الحديث: "وقد عد ابن الجوزي هذا الخبر في الموضوعات وحكى عن العراقي نحوه".

وكلام ابن الجوزي مذكور في كتابه الموضوعات عند مناقشته لحديث سدّ الأبواب: وأما حديث ابن عباس ففي الطريق الأول أبو بلج واسمه يحيى بن سليم؛ قال أحمد: روى أبو بلج حديثا منكرا "سدّوا الأبواب" وقال ابن حبان: كان أبو بلج يخطئ. (الموضوعات 1/366)

والجواب:

أولا: من المعروف بين طلبة العلوم الشرعية وكلّ من له باع في علم الحديث والرجال أنّ أبا الفرج بن الجوزي قد تسرّع في كتابه (الموضوعات) وأدخل فيه كثيرا من الأحاديث التي لا تستحق هذا الوصف، بل أدخل فيه حتى مجموعة من الأحاديث الموجودة في الصحيحين!

ولذلك نجد علماء أهل السنة والجماعة قد نصّوا على تسرّعه في الحكم على الأحاديث بالوضع وعدم مراعاة الأسلوب العلمي الرصين، نذكر منهم:

  • الحافظ ابن كثير: وقد صنف الشيخ أبو الفرج بن الجوزي كتاباً حافلاً في الموضوعات، غير أنّه أدخل فيه ما ليس منه، وخرج عنه ما كان يلزمه ذكره، فسقط عليه ولم يهتد إليه. (الباعث الحثيث 79)

  • الحافظ السخاوي: وقد توسّع ابن الجوزي فى إيراد كثير من الأحاديث التى لا ترتقى إلى الوضع، بل وفى بعضها ما هو صحيح ونحوه، بل أغرب من هذا إدخاله لكثير مما حكم عليه بالوضع فى تصانيفه الوعظية وغيرها، ساكتا عليه، فلم يمش فى الطريق على سنن واحد مع جلالته وإمامته (الغاية في شرح الهداية 208)

  • جلال الدين السيوطي: وقد جمع في ذلك الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي كتابا فأكثر فيه من إخراج الضعيف الذي لم ينحط إلى رتبة الوضع بل ومن الحسن ومن الصحيح كما نبّه على ذلك الأئمة الحفاظ ومنهم ابن الصلاح في علوم الحديث وأتباعه (اللآلي المصنوعة 1/9)

بل نجد أنّ ابن حجر العسقلاني قد أعلنها صراحة في كتبه وهو أنّ ابن الجوزي لا يعتمد عليه في علم الحديث بقوله: ودلت هذه القصة على أنّ ابن الجوزي حاطب ليل لا ينقد ما يحدّث به (ميزان الاعتدال 2/84)

ومن هنا نعلم أنّه لا قيمة لرأي ابن الجوزي ودعواه وضع الحديث.

ثانيا: إنّ دعوى ابن الجوزي بوضع هذا الحديث هي دعوى مجرّدة عن أيّ دليل، والحال أنّ الحديث الموضوع له طرق محدّدة يعرف بها مقرّرة في كتب علم الحديث والمصطلح، ولهذا نجد أنّ ابن حجر العسقلاني قد سجّل اعتراضا على ابن الجوزي بأنّ دعواه الوضع لا حجة عليها، قال: حديث سدّوا الأبواب إلّا باب علي ذكره من رواية سعد ومن رواية ابن عمر قول ابن الجوزي إنّه باطل وإنّه موضوع دعوى لم يستدل عليها إلّا بمخالفة الحديث الذي في الصحيحين وهذا إقدام على ردّ الأحاديث الصحيحة بمجرد التوهم ولا ينبغي الإقدام على الحكم بالوضع إلا عند عدم إمكان الجمع ولا يلزم من تعذر الجمع في الحال أن لا يمكن بعد ذلك إذ فوق كل ذي علم عليم وطريق الورع في مثل هذا أن لا يحكم على الحديث بالبطلان بل يتوقف فيه إلى أن يظهر لغيره ما لم يظهره له... (القول المسدّد 16)

وقال الشوكاني: ولا ينبغي الإقدام على الحكم بالوضع إلّا عند عدم إمكان الجمع: كلام غير صحيح. فإنّه إذا تعذّر الجمع لا يحلّ لأحد أن يحكم بوضع الموضوع، بل غاية ما يلزم الراجح عليه. وذلك لا يستلزم كونه موضوعًا بلا خلاف وقد جمع أهل العلم بين هذا الحديث، وحديث: "أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بسد الخوخ في المسجد إلا خوخة أبي بكر الثابت في الصحيح، بأنّ سد الخوخ غير سد الأبواب وبالجملة: فالحديث ثابت لا يحلّ لسلم أن يحكم ببطلانه. وله طرق كثيرة جدًا. قد أوردها صاحب اللآلىء. وقد صحح حديث زيد بن أرقم في المستدرك. وكذلك الضياء في المختارة  وإعلاله بميمون غير صحيح. فقد وثقه غير واحد، وصحح له الترمذي وأما حديث ابن عمر: فقد رواه أحمد في المسند بإسناد رجاله ثقات. وليس فيه هشام بن سعد والكلام على ردّ ما قاله ابن الجوزي يطول، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى (الفوائد المجموعة 365)

ثالثا: إنّ خبر المبيت كما تقدّم له طرق أخرى وليس مدارها على أبي بلج أو غيره بل مخارجه متعدّدة وقد سقنا في الردّ الأول والثاني أسانيد هذا الخبر بل وصحّحنا بعض طرقه، وهذا ما يدفع دعوى وضعه التي لم يقل بها أحد قبل الدكتور!

وابن الجوزي إنّما ادّعى وضع حديث سدّ الأبواب لا خبر المبيت بدعوى أنّه مخالف لما في الصحيحين وقد تعقّبه أنّ ابن حجر وردّ عليه بذكر اسانيد حديث سدّ الأبواب وطرقه مؤصّلا لنكتة حديثية رائعة:فهذه الطرق المتظاهرة من روايات الثقات تدل على أن الحديث صحيح دلالة قوية وهذه غاية نظر المحدث وأما كون المتن معارضا للمتن الثابت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري فليس كذلك ولا معارضة بينهما بل حديث سد الأبواب غير حديث سد الخوخ. (القول المسدّد 18)

 

حقيقة رأي ابن تيمية:

ذكر الشيخ أنّ ابن تيمية الحراني قد قال أنّ رواية المبيت ليس لها اسناد قائم! قال: وقد أشار ابن تيمية في منهاج السنة إلى أن قصة نوم علي هذه ليس فيها إسناد قائم، وقال في موضع آخر عن هذا الخبر: فيه ألفاظ هي كذب على رسول الله كقوله: "لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي" فقد ذهب النبي (صلى الله عليه وسلم) غير مرة وخليفته على المدينة غير علي.

والجواب:

إنّ كلام الشيخ فيه زلّة علمية خطيرة نيتجة التسرّع في الرد وعدم التروّي، إذ أنّ ابن تيمية طعن في خصوص رواية الثعلبي التي استدلّ بها العلامة الحلّي وليس في مطلق الحادثة، لذلك قال في أوّل جوابه: الجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحّة هذا النقل، ومجرّد نقل الثعلبي وأمثاله لذلك، بل روايتهم، ليس بحجة باتفاق طوائف السنة والشيعة، لأنّ هذا مرسل متأخّر، ولم يذكر إسناده، وفي نقله من  هذا الجنس للإسرائيليات والإسلاميات أمور يعلم أنها باطلة، وإن كان هو لم يتعمد  الكذب؛ ثانيها: أنّ هذا الذي نقله من هذا الوجه  كذب باتفاق أهل العلم بالحديث والسيرة، والمرجع إليهم في هذا الباب... (منهاج السنة 7/112)

ومن يقرأ بقية كلامه يجد أنّه يقرّ بأصل الحادثة ولا ينفيها، إذ أنّه يقول: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لماّ هاجر هو وأبو بكر إلى المدينة لم يكن للقوم غرض في طلب علي، وإنما كان مطلوبهم النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وجعلوا في كل واحد منهما ديته لمن جاء به، كما ثبت ذلك في الصحيح الذي لا يستريب أهل العلم في صحته، وترك عليا في فراشه ليظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم في البيت فلا يطلبوه، فلما أصبحوا وجدوا عليا فظهرت خيبتهم، ولم يؤذوا عليا، بل سألوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم أنه لا علم له به، ولم يكن هناك خوف على علي من أحد، وإنما كان الخوف على النبي صلى الله عليه وسلم وصديقه، ولو كان لهم في عليّ غرّض لتعرضوا له لما وجدوه، فلما لم يتعرضوا له دلّ على أنّهم لا غرض لهم فيه... (منهاج السنة 7/113)

ولا يوجد أي مورد صرّح فيه ابن تيمية بانكار هذه الحادثة من أساسها فلا ندري من أين جاء الشيخ الغامدي بهذا الكلام؟!!

 

نكارة المتن:

صرّح الدكتور بأنّه من علل هذا الخبر نكارة متنه واشتماله على بعض المضامين التي لا يمكن أن تقبل لمخالفتها لما ثبت عنده، قال:" أما نكارة المتن فبينة لمخالفته ما ثبتت صحته، وهو أن أبا بكر الصديق تأخر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الهجرة، وهذا مخالف لما وقع في صحيح البخاري، والثابت أنهما خرجا معا من بيت أبي بكر؛ وفي هذا الخبر إخفاء فضيلة صحبة أبي بكر لرسول الله (عليه الصلاة والسلام) في هجرته، والطعن فيه بأنه لحق برسول الله مجرد لحاق دون إذن منه، وهذا كذب لمخالفته ما في الصحيح من الصحبة في الهجرة..."

والجواب:

نقتصر على ذكر ما قاله ابن حجر العسقلاني ردّا على ابن الجوزي: قول ابن الجوزي إنّه باطل وإنّه موضوع دعوى لم يستدل عليها إلّا بمخالفة الحديث الذي في الصحيحين وهذا إقدام على ردّ الأحاديث الصحيحة بمجرد التوهم ولا ينبغي الإقدام على الحكم بالوضع إلا عند عدم إمكان الجمع ولا يلزم من تعذر الجمع في الحال أن لا يمكن بعد ذلك إذ فوق كل ذي علم عليم وطريق الورع في مثل هذا أن لا يحكم على الحديث بالبطلان بل يتوقف فيه إلى أن يظهر لغيره ما لم يظهره له... (القول المسدّد 16)

فإنّ دعوى مخالفة ما في الصحيحين قد رددنا عليها سابقا وبيّناها بما لا يحتاج مزيد إيضاح وذكرنا وجوه الجمع بين الخبرين فلا أدري لماذا التكرار؟

هل الدكتور لم يطلع على ردودي السابقة؟

أم أنّه لا يمتلك جوابا واضحا عليها؟

 

باء تجرّ وباء لا تجرّ:

من الأمور التي ذكرها الدكتور ضمن ردّه السابق ودعواه نكارة المتن لمخالفته الصحيح، قوله: "كما أن في الخبر أن عليا أول من أسلم من الناس بعد خديجة، وهو خلاف المشهور من أن أول من أسلم أبو بكر، ذكر الترمذي ذلك فقال: ذكر عمرو بن مرة ذلك لإبراهيم النخعي فأنكره، وقال أول من أسلم أبو بكر."

وهذا من العجب العجاب حيث أنّه ردّ الخبر لمخالفته (المشهور) من أنّ أبا بكر أول من أسلم في حين أنّه قد أنكر في السابق قضية المشهورات التاريخية وأصرّ على ضرورة الإعتماد على الأحاديث الصحيحة سندا!

وهنا من حقّنا أن نطالب الدكتور بحديث مسند صحيح متصل، خالٍ من العلل، ذو دلالة صريحة على أنّ أبا بكر هو أول من أسلم لكي يثبت مقالته ويكون قد طبّق منهجه على الكلّ لا على خصوص علي عليه السلام.

علما أنّ ابن عبد البر قد صحّح أحاديث أولية إسلام أمير المؤمنين عليه السلام وقدّمها على روايات إسلام أبي بكر، فقال في رواية أبي بلج التي لم تعجب دكتورنا: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير بن حرب، قال: حدثنا الحسن بن حماد، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس، قال: كان علي بن أبي طالب أول من آمن من الناس بعد خديجة رضي الله عنهما؛ قال أبو عمر رحمه الله: هذا إسناد لا مطعن فيه لأحد لصحته وثقة نقلته، وهو يعارض ما ذكرناه عن ابن عباس في باب أبى بكر رضي الله عنه والصحيح في أمر أبى بكر أنه أول من أظهر إسلامه (الإستيعاب 3/1092)

علما أنّ صاحب مرقاة المفاتيح قد ذكر أنّ غالبية الأقوال تنصّ على أولية إسلام أمير المؤمنين عليه السلام: هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب القرشي، يكنى أبا الحسن وأبا تراب، وهو أول من أسلم من الذكور في أكثر الأقوال. (مرقاة المفاتيح 9/394)

بل نجد أن الحاكم النيسابوري ينقل تسالم المؤرخين على أولية إسلام علي عليه السلام: لا أعلم خلافا بين أصحاب التواريخ أنّ علي بن أبي طالب أولهم إسلاما. (معرفة علوم الحديث 22)

فلا ندري عن أي شهرة يتحدّث الدكتور؟؟!!

 

خاتمة:

ختم الشيخ الغامدي مقاله بكلام عاطفي حول فضائل الإمام علي عليه السلام وتبرئة الذي يضعفها من تهمة الطعن والنصب لعلي عليه السلام: " وهناك من يعتقد أن تضعيف هذا الخبر يستلزم الطعن في علي أو الغض من مكانته وفضائله، وهذا باطل قطعا، ففضائل علي الثابتة لا كلام فيها، ومكانته بين صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) معلومة وهو رابع الخلفاء؛ وقد ضعّف العلماء أحاديث كثيرة في فضائل رسول الله، ولم يقل متجرد للحق أن في ذلك ما يستلزم الغض من مكانة رسول الله (عليه أفضل الصلاة والسلام)،..."

والحقيقة أني لا أريد أن أفتح هذا الملف حول تعامل أهل السنة والجماعة لاسيما المحدّثين منهم مع فضائل أهل البيت عليهم السلام لأنّ الحديث ذو شجون ولعلّه سيكون مصدر إزعاج لكثير من الناس، وأنا على يقين أنّ الإشارات التي ذكرتها في طوايا ردّودي السابقة قد فهم منها القارىء اللبيب حقيقة الأمر لاسيما عند حديثي عن الحافظ الجوزجاني.

 

خلاصة القول:

تم الردّ على كلّ ما طرحه الدكتور الغامدي وما أورده من علل حول رواية أبي بلج الفزاري وفي المقابل:

  1. لم يتم التعقيب على تصحيحي لرواية مقسم عن ابن عباس رضي الله عنه

  2. لم يعلّق على الأسانيد الأخرى التي أوردتها للحديث

  3. لم يعرّج الدكتور على قضية التصحيح بمجموع الطرق التي قرّرتها سابقا

  4. لم أجد ردّا على بحثي حول مرويات السيرة

 

 

التقييم التقييم:
  2 / 5.0
 التعليقات
لا توجد تعليقات

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل
 خدمة الواتساب
http://ahmdi.org/whatsapp.png

   أرسل (سجل) إلى:

 

009647721146059

 جديد الكتب

 كلامكم نور
عن الإمام الصادق (ع): أنّ الله تعالى أمهر فاطمة عليها السلام ربع الدنيا، فربعها له، وأمهرها الجنة والنار، تدخل أعداءها النار، وتدخل أولياءها الجنة، وهي الصديقة الكبرى، وعلى معرفتها دارت القرون الأول
 أرسل سؤالك

http://ahmdi.org/templates/default/icons/link.gif أرســل ســؤالك

 مرئية مختارة
 كتاب مختار